بدر منیر
البدر المنير في معرفة الله العلي الكبير
فقدم على رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم وحمد الله قال: وأقبل القوم حتى مروا باليهود في بيت مدارسهم، فنادوا يا ابن صوريا، يا كعب بن الأشرف، انزلوا إخوة القردة والخنازير، فنزلوا، فقالوا لهم: هذا الرجل عندكم منذ كذا وكذا وفد عليكم، احضروا المحنة غدا، فأتوا النبي صلى الله عليه وآله وسلم ونزلوا بين يديه، فتقدم الأسقف وقال: يا أبا القاسم، موسى ابن عمران من أبوه؟ قال: عمران. قال: فيوسف من أبوه؟ قال: يعقوب. قال: فأنت من أبوك؟ قال: عبد الله بن عبد المطلب. قال: فعيسى من أبوه؟ فسكت النبي صلى الله عليه وآله وسلم ينتظر الوحي فهبط جبريل - بهذه الآية: {إن مثل عيسى عند الله كمثل آدم خلقه من تراب ثم قال له كن فيكون * الحق من ربك فلا تكن من الممترين}(1) قال: فقرأها عليهم، قال: فتراءى الأسقف ثم دق به يعني سقط على الأرض فغشي عليه، ثم رفع رأسه قال: أتزعم أن الله أوحى إليك أن عيسى خلقه من تراب، ما نجد هذا فيما أوحي إليك، ولا نجده فيما أوحي إلينا، ولا يجده هؤلاء اليهود فيما أوحي إليهم، فهبط جبريل بهذه الآية: {فمن حاجك فيه من بعد ما جاءك من العلم فقل تعالوا ندعو أبناءنا وأبناءكم ونساءنا ونساءكم وأنفسنا وأنفسكم ثم نبتهل فنجعل لعنة الله على الكاذبين}(2) قالوا: أنصفت يا أبا القاسم، فمتى نباهلك؟ قال: غدا إن شاء الله تعالى. فانصرفوا، فقال رئيس اليهود: انظروا هذا الرجل، فإن هو خرج غدا في عدة من أصحابه فباهلوه فإنه كذاب، وإن هو خرج في خاصة من أهل بيته فلا تباهلوه فإنه نبي، وإن باهلناه لنهلكن، وقالت النصارى: والله إنا لنعلم أنه النبي الذي كنا ننتظر، ولئن باهلناه لنهلكن ولا نرجع إلى أهل ولا مال، فقالوا: فكيف نعمل؟ قال الأسقف أبو الحارث: رأينا رجلا كريما يغدوا عليه فيسأله أن يقيلنا، فلما أصبحوا اجتمع النصارى واليهود وبعث النبي صلى الله عليه وآله وسلم إلى أهل المدينة ومن حوله من العوالي فلم تبقى بكر لم ترى الشمس إلا خرجت، فاجتمع الناس ينتظرون خروج النبي صلى الله عليه وآله وسلم فخرج نبي الله -عليه وآله السلام بأبي هو وأمي- وعلي بين يديه والحسن عن يمينه قابضا بيده والحسين عن شماله وفاطمة خلفه ثم قال: هلموا، فهؤلاء أبناؤنا الحسن والحسين، وهؤلاء أنفسنا لعلي ونفسه، وهذه نساؤنا لفاطمة، قال: فجعلوا يستترون بالأساطين، ويستتر بعضهم ببعض مخافة أن نبدأهم بالملاعنة، ثم أقبلوا حتى بركوا بين يديه، ثم قالوا: أقلنا أقالك الله يا أبا القاسم، قال: أقيلكم أن تجيبونني إلى واحدة من ثلاث، قالوا: هات. قال: أدعوكم إلى الإسلام فتكونون إخواننا لكم ما لنا وعليكم ما علينا. قالوا: لا سبيل إلى هذه، فهات الأخرى. قال: جزية نضربها عليكم تؤدونها إلينا كل سنة وأنتم صغرة. قالوا: لا سبيل إلى هذه، فهات الثالثة. قال: الحرب كما قال الله: {فانبذ إليهم على سواء إن الله لا يحب الخائنين}(1)، قالوا: لا طاقة لنا بحربك، فصالحوه على ألفي حلة، ألف في رجب وألف في صفر، وعلى عارية ثلاثين درعا وثلاثين رمحا وثلاثين فرسا إن كان بالثمن كبد.
وذكر الإمام المنصور بالله عبد الله بن حمزة عليه السلام أن رسول الله صلى الله عليه وآله [160أ] وسلم- صالح أهل نجران على مائتي أوقية وعشرين أوقية من الذهب وعلى مائتي حلة كل حلة ثوبان يكون أربع مائة ثوب كل ثوب قيمته عشرون درهما وعارية ثلثين درعا وثلاثين فرسا إلى والي اليمن، وعلى إنزال الرسل عشرين يوما. قال -عليه السلام: بغير ذلك لضعف أهلها، فجوز للقائم بعد النبي صلى الله عليه وآله وسلم- أن يصالحهم على قدر حالهم من زيادة أو نقص.
قلت: أما الزيادة على ما وضعه عليهم -صلى الله عليه وآله- فلا يجوز لقوله تعالى: {لقد كان لكم في رسول الله أسوة حسنة لمن كان يرجو الله واليوم الآخر}(1) ورسول الله صلى الله عليه وآله وسلم- ضامن لها -أعني العارية- ثلاثين درعا وثلاثين فرسا حتى يؤديها إليهم، فقال صلى الله عليه وآله وسلم: ((والذي نفسي بيده لو باهلتهم ما بقي على وجه الأرض منهم أحد ولقد حشر على الطير والعصافير من رؤوس الشجر لمباهلتهم))(2).
مخ ۱۰۳