At-Tawdih ar-Rashid fi Sharh at-Tawhid
التوضيح الرشيد في شرح التوحيد
الشَّرْحُ
- هَذَا البَابُ ذَكَرَهُ الشَّيْخُ ﵀ بَعْدَ بَابِ (مَنْ جَحَدَ شَيْئًا مِنَ الأَسْمَاءِ وَالصِّفَاتِ) لِأَنَّه مِنْ جِنْسِهِ، فَفِيْهِ تَنَقُّصٌ لِلرُّبُوْبِيَّةِ، فَالَّذِيْ يَجْحَدُ الأَسْمَاءَ وَالصِّفَاتِ قَدْ تَنَقَّصَ الرُّبُوْبِيَّةَ، وَكَذَلِكَ الَّذِيْ يُضُيْفُ النِّعَمَ إِلَى غَيْرِ اللهِ ﷾ فَقَدْ تَنَقَّصَ الرُّبُوْبِيَّةَ.
- هَذِهِ الآيَةُ هِيَ مِنْ سُوْرَةِ النَّحْلِ الَّتِيْ تُسَمَّى سُوْرَةَ النِّعَمِ، لِأَنَّ اللهَ ﷾ عَدَّدَ فِيْهَا كَثِيْرًا مِنْ نِعَمِهِ عَلَى عِبَادِهِ، وَقَالَ فِيْهَا: ﴿وَإِنْ تَعُدُّوا نِعْمَةَ اللهِ لَا تُحْصُوْهَا إِنَّ اللهَ لَغَفُوْرٌ رَحِيْمٌ﴾ (النَّحْل:١٨).
- قَوْلُهُ تَعَالَى ﴿يَعْرِفُوْنَ﴾: أَيْ: يُدْرِكُوْنَ بِحَوَاسِّهِم أَنَّ النِّعْمَةَ مِنْ عِنْدِ اللهِ.
- قَوْلُهُ ﴿نِعْمَتَ اللهِ﴾: مُفْرَدَةٌ مُضَافَة؛ وَالمُرَادُ بِهَا الجَمْعُ، وَالقَاعِدَةُ اللُّغَوِيَّةُ: أَنَّ المُفْرَدَ المُضَافَ يَعُمُّ.
- قَوْلُهُ ﴿ثُمَّ يُنْكِرُونَهَا﴾: أَيْ: يُنْكِروْنَ إِضَافَتَهَا إِلَى اللهِ لِكَوْنِهِم يُضِيْفُوْنَهَا إِلَى السَّبَبِ غَافِلِيْنَ عَنِ المُسَبِّبِ الَّذِيْ هُوَ اللهُ سُبْحَانَهُ، وَلَيْسَ المَعْنَى أنَّهُم يُنْكِرُوْنَ هَذِهِ النِّعْمَةَ؛ مِثَلَ أَنْ يَقُوْلُوا: مَا جَاءَنَا مَطَرٌ أَوْ وَلَدٌ أَوْ صِحَّةٌ، وَلَكِنْ يُنْكِرُوْنَهَا بِإضَافَتِهَا إِلَى غَيْرِ اللهِ تَعَالَى، غَافِلِيْنَ عَنِ الَّذِيْ خَلَقَ السَّبَبَ فَوُجِدَتْ بِهِ النِّعْمَةُ. (١)
- فِي هَذِهِ الآيَةِ بَيَانُ أَنَّ إِضَافَةَ النِّعَمِ إِلَى غَيْرِ اللهِ نَقْصٌ فِي كَمَالِ التَّوْحِيْدِ وَنَوْعُ شِرْكٍ بِاللهِ جَلَّ وَعَلَا.
وَالآيَةُ الكَرِيْمَةُ - وَإِنْ كَانَ الرَّاجِحُ أَنَّ المَقْصُوْدَ بِالنِّعْمَةِ فِيْهَا هُوَ بَعْثَةُ الرَّسُوْلِ الكَرِيْمِ مُحَمَّدٍ ﷺ (٢) - فَعُمُوْمُهَا صَحِيْحٌ، وَيَصِحُّ القَوْلُ بِأَنَّ إِنْكَارَ النِّعَمِ هُوَ مِنْ أَفْعَالِ المُشْرِكِيْنَ، وَقَدْ سُمِّيَ كُفْرًا كَمَا سَبَقَ فِي بَابِ (مَا جَاءَ فِي الاسْتِسْقَاءِ بالأَنْوَاءِ)، والقَاعِدَةُ المَشْهُوْرَةُ فِي التَّفْسِيْرِ تَقُوْلُ: (العِبْرَةُ بِعُمُوْمِ اللَّفْظِ لَا بِخُصُوْصِ السَّبَبِ).
- مَنْ أَضَافَ نِعْمَةَ الخَالِقِ إِلَى غَيْرِهِ، فَقَدْ جَعَلَ مَعَهُ شَرِيْكًا فِي الرُّبُوْبِيَّةِ وَالأُلُوْهِيَّةِ:
١) فَإِضَافَتُهَا إِلَى السَّبَبِ عَلَى أَنَّهُ فَاعِلٌ؛ هَذَا إِخْلَالٌ بِتَوْحِيْدِ الرُّبُوْبِيَّةِ.
٢) تَرْكُ القِيَامِ بِالشُّكْرِ - الَّذِيْ هُوَ العِبَادَةُ - هُوَ إِخْلَالٌ بِتَوْحِيْدِ الأُلُوْهِيَّةِ.
(١) وَهِيَ كَقَوْلِهِ تَعَالَى ﴿وَتَجْعَلُوْنَ رِزْقَكُمْ أَنَّكُمْ تُكَذِّبُوْنَ﴾ فِي نِسْبَةِ المَطَرِ إِلَى الأَنْوَاءِ.
(٢) قَالَ الطَبَرِيُّ ﵀ فِي التَّفْسِيْرِ (٢٧٣/ ١٧): (وَأَوْلَى الأَقْوَالِ فِي ذَلِكَ بِالصَّوَابِ وَأَشْبَهُهَا بِتَأْوِيْلِ الآيَةِ قَوْلُ مَنْ قَالَ: عُنِيَ بالنِّعْمَةِ الَّتِيْ ذَكَرَهَا اللهُ فِي قَوْلِهِ ﴿يَعْرِفُوْنَ نِعْمَةَ اللهِ﴾ النِّعْمَةَ عَلَيْهِم بِإِرْسَالِ مُحَمَّدٍ ﷺ إِلَيْهِم دَاعِيًا إِلَى مَا بَعَثَهُ بِدُعَائِهِم إِلَيْهِ، وَذَلِكَ أَنَّ هَذِهِ الآيَةَ بَينَ آيَتَيْنِ كِلْتَاهُمَا خَبَرٌ عَنْ رَسُوْلِ اللهِ ﷺ وَعَمَّا بُعِثَ بِهِ).
1 / 364