433

والعامل في الكاف جعلنا تقديره: نهدي من نشاء، وقد أنعمنا عليهم بذلك، وجعلناكم أمة وسطا وأنعمنا كذلك الإنعام، إلا أن (جعلنا) يدل على أنعمنا.

* * *

(النزول)

روي أن مرحبا والربيع وجماعة من رؤساء اليهود قالوا لمعاذ: ما ترك محمد قبلتنا إلا حسدا، وإن قبلتنا قبلة الأنبياء، وهو يعلم أنا عدل بين الناس، فقال معاذ: إنا على عدل وحق، فأنزل الله تعالى هذه الآية.

وقيل: لما حولت القبلة قال ناس: كيف بأعمالنا التي كنا نعمل في قبلتنا الأولى؟، عن ابن عباس وقتادة والربيع، وقيل: قالوا: كيف بمن مات من إخواننا قبل ذلك؟ وكان مات سعد بن زرارة والبراء بن معرور، فأنزل الله تعالى: وما كان الله ليضيع إيمانكم، ولا يجوز أن يكون الصحابة شكت في صلاتهم حتى سألوا ذلك، فوجب حمله على أنهم قالوا: لو أدرك إخواننا هذه الصلاة؟، أوعلى أنهم قالوا: فعلنا أفضل أم ذاك، أو على أنه قاله منافق فخاطب المسلمين بالرد عليهم، وإنما خاطب الأحياء، وإن كان السؤال وقع عن الأحياء والأموات تغليبا.

* * *

(المعنى)

ثم بين تعالى فضل هذه الأمة على سائر الأمم فقال تعالى: وكذلك، ولا بد من تعلق له بما تقدم، وقد ذكرنا ما قيل فيه، والأقرب ما قاله أبو القاسم. جعلناكم قيل: باللطف الذي هو علم الله تعالى أنه متى فعل بهم أجمعوا على الصواب، ولما كان سبب ذلك لطفا جاز أن يضيفه إلى نفسه، وقيل: حكمنا لكم بذلك، ووصفناكم به أمة جماعة، يعني أمة محمد وسطا قيل: عدلا، عن ابن عباس وقتادة ومجاهد والربيع، وروي مرفوعا، وقيل: خيارا، وقيل: وسطا بين الغالي في الأديان وبين المقصر، فيجعل لهم القصد والثواب، وفيه مع إيجاز اللفظ دليل أنهم في جميع أمورهم على الصواب، وقيل: لما غلت النصارى في المسيح، وقصر اليهود كان قول المسلمين أوسطهم وأعدلهم عند الله ورسوله.

مخ ۶۲۴