وأما النوع الثالث من العوامل التي تتغير وتتبدل الأحكام بسببها فهو:
أن توجد ظروف وتنشأ أحوال تقتضي تغير الحكم:
نعم: ((قد تطرأ ظروف وتجد أحوال تستدعي تغير الحكم إذا كان اجتهادياً أو تأخير تنفيذه أو إسقاط أثره عن صاحبه إذا كان الحكم قطعياً))(١) والشواهد على هذا النوع من التغيير كثيرة والأمثلة كثيرة في القرآن الكريم والسنة النبوية وفي هدي الصحابة والتابعين ومن بعدهم ...
فمن القرآن الكريم:
ما رواه البخاري عن ابن عباس رضي الله عنهما قال:
((لما نزلت ﴿إِن يَكُن مِّنْكُمْ عِشْرُونَ صَابِرُونَ يَغْلِبُواْ مِائَتَيْنِ﴾ .. الآية(٢) شق ذلك على المسلمين حين فرض عليهم ألا يفر أحد من عشرة فجاء التخفيف فقال: ﴿اَلْآنَ خَفَّفَ اَللَّهُ عَنكُمْ وَعَلِمَ أَنَّ فِيكُمْ ضَعْفًا فَإِن يَكُنْ مِنكُم مِّأْتَةٌ صَابِرَةٌ يَغْلِبُواْ مِائَتَيْنٍ﴾(٣) قال فلما خفف الله عنهم من العدة نقص من الصبر بقدر ما خفف عنهم))(٤).
وهذه الرواية لا تدل على النسخ الأصولي الذي زعمه بعضهم وهو رفع الحكم الذي تضمنته الآية الأولى وانتهاء العمل به إلى
(١) نظرية العرف للخياط/ ٨٥، ٨٦.
(٢) سورة الأنفال، الآية: ٦٥.
(٣) سورة الأنفال، الآية: ٦٦.
(٤) فتح الباري بشرح صحيح البخاري لابن حجر العسقلاني جـ٨/ ٣١٢، كتاب التفسير باب ٧ حديث رقم ٤٦٥٣.