وإذا كانت أسباباً لمسببات حكم بها الشارع فلا إشكال في اعتبارها والبناء عليها والحكم على وفقها دائماً ... ثم قال رحمه الله: والمتبدلة منها ما يكون متبدلاً في العادة من حُسن إلى قُبح، وبالعكس، مثل كشف الرأس فإنه يختلف بحسب البقاع في الواقع فهو لذوي المروءات قبيح في البلاد المشرقية، وغير قبيح في البلاد المغربية؛ فالحكم يختلف باختلاف ذلك فيكون عند أهل المشرق قادحاً في العدالة، وعند أهل المغرب غير قادح (١).
أما الصورة الثالثة من الأعراف: فتنطبق على كل ما يعتاده الناس من العادات والتقاليد في مظاهر حياتهم المختلفة، مما لم يصبح حكماً شرعياً ولا تأسس عليه حكم شرعي؛ فللناس أن يمارسوا عاداتهم وتقاليدهم؛ مادامت لا تعارض أمراً من أمور الشريعة الثابتة ولهم أن يطوروا عاداتهم وتقاليدهم هذه حسبما يرونه من مقتضيات الزمن فهذه هي الصور الثلاث التي لا تخرج أعراف الناس عنها بحال من الأحوال وعليه ينبغي أن يفهم معنى هذه القاعدة: ((لا ينكر تغير الأحكام بتغير الأزمان)) والمقصود بها الأحكام المرتبطة من أصلها بما قد يتبدل ويتغير من أعراف الناس ومصالحهم التي لم يقض فيها بحكم مبرم كتلك الأمثلة التي مر ذكرها في الصورتين: الثانية والثالثة، أما الأحكام الأساسية التي جاءت الشريعة لتأسيسها وتوطيدها بنصوصها الأصلية الآمرة الناهية فهذه لا تتبدل بتبدل الأزمان. والله أعلم.
(١) الموافقات في أصول الأحكام للشاطبي جـ٢/٤٠٩، ٤١٠.