وإن مما يجب التنبيه عليه هنا، أنَّ الإمام ابن حزم - حين نصّ في القاعدة على وجوب المسارعة إلى المأمورات لم يُخالف القائلين بأفضلية المسارعة إلى الطاعات، كما ذكر ذلك الإمام الشَّافعي - حيث قال: " لم يختلف أهل العلم في امرئ أراد التقرّب إلى الله بشيء يتعجله مبادرة، ما لا يخلو منه إنسان من النسيان والشغل ".
غاية ما في الأمر أنه مع قوله بأفضلية المبادرة إلى جميع أنواع الطاعات الواجبة منها وغير الواجبة ، وموافقته لأهل العلم في ذلك ، يرى أنَّ الأصل في المسارعة إلى العبادات المأمور بها الوجوب إلاّ ما أباح التراخي فيه نصّ آخر أو إجماع.
ولكي يتضح لنا معنى هذه القاعدة أكثر، ويتبيّن لنا رأي الإمام ابن حزم - وتفصيله فيها، لا بدّ أن نبيّن هنا أموراً لها تعلّق وثيق بها، وهي :
أولاً : أنّ المسارعة إلى العبادة والمبادرة إليها، إنّما تكون بعد قيام سببها، لا قبل ذلك.
فإنّ الله عزوجل جعل لكلّ عبادة سبباً واضحاً تُعْرف به، متى ظهر هذا السبب شُرع القيام بها، فسبب العبادات المؤقتة دخول وقتها، وسبب الزكاة بلوغ المال النصاب، وتمام الحول، وهكذا. ولا تتحقق المبادرة إلى هذه العبادات وغيرها إلاّ بعد قيام أسبابها، من دخول وقت أو غيره؛ لأنّ فعل العبادة قبل وقتها، أو قيام سببها، لا يُعتبر تعجيلاً لها، بل إنه لا يُجزئ أداؤها عن الواجب؛ لأنه عملٌ مخالف لما أمر الله - تعالى - به ورسوله ﷺ.
وإذا عُلِم هذا، فإنّ المسارعة إلى الطاعات عند الإمام ابن حزم قد تكون واجبة على
(١) الأم ١٠/ ١٦٥، وإلى هذا المعنى أشار ابن العربي في: أحكام القرآن ١/ ٦٦.
(٢) ينظر: المحلى ١٤٩/٢، ٧٤/٥.
(٣) ينظر كلام أهل العلم في هذا، في: الذخيرة ٢/ ٣٠، المنثور ٣٦٨/٢، الأشباه والنظائر، السيوطي، ٦٢٨، قواعد الإحكام ٣٦٤/١، القواعد والفوائد الأصولية، ص٢٤٤.
(٤) ينظر: المحلى ٢/ ١٥٠، ١٨٤/٥، والإحكام، ابن حزم ٣٢٠/١.