وهذه القاعدة استعملها الإمام ابن حزم في أبواب العبادات والمعاملات. وهي متعلقة بما إذا وردت شريعة في الكتاب أو السنة إثر أُخرى أو مقترنةً بها، هل يعني ذلك وجوب الارتباط بينهما، وأنه لا تصح إحداهما إلاّ بالأُخرى، أم أنّ كلّ واحدة منهما مستقلّة عن الأُخرى، ويجوز فعلها منفردة عنها؟
والجواب: أن الأصل في كلِّ شريعة مقصودة بنفسها ألاّ يتعلَّق جواز فعل إحداها بفعل الأخرى إلاّ بدليل.
فإذا ذُكِرت عبادة أو غيرها من الشرائع - في الكتاب أو السنة - عقب ذِكْر أُخرى، وكانت كل واحدة مقصودة بنفسها، فالأصل أنه لا يجب ولا يُشترط فعل إحداهما لصحة الأخرى إلاّ بدليل يوجب ذلك.
كما أن بطلان أحد تلك الأعمال بسبب مّا، لا أثر له على إبطال غيره من الأعمال إلاّ أن يوجب ذلك دليل أيضاً.
ومع أهمية هذه القاعدة، وأثرها في كثير من الفروع الفقهية، إلاّ أنني لم أجد - حسب اطلاعي - من تكلم عنها أو أشار إليها من الفقهاء إلاّ:
=
فإذا صح أن الأنبياء عليهم الصلاة والسلام لم يُبعث أحد منهم إلاّ إلى قومه خاصّة فقد صح أن شرائعهم لم تلزم إلاّ من بُعثوا إليه فقط. ولا يجوز الحكم بشريعة من قبلنا إلاّ فيما اتفقت فيه جميع الشرائع والأديان السماوية كالتوحيد.
ينظر: الإحكام، ابن حزم ٢/ ١٥٣، المحلى ١٢٦/١، النبذ في أصول الفقه الظاهري، ص٩١.
ولمعرفة أقوال العلماء غير ابن حزم في هذه المسألة، ينظر: البرهان في أصول الفقه، ص٥٠٣، قواطع الأدلة ٢٠٨/٢، الإحكام، الآمدي ٤١/٤، نفائس الأصول ٦/ ٢٤٧٣، كشف الأسرار، البخاري ٣ / ٣٩٧، البحر المحيط ٦/ ٤١، التحبير شرح التحرير ٨/ ٣٧٦٧.
(١) معنى كون العبادة أو غيرها مقصودة بنفسها: أي أنها مُسْتقلة غير تابعة لغيرها، ومما يدل على استقلالها جواز فعلها منفردة. وهذا قيد يُخرج العبادة التابعة لغيرها، كالسعي مع الطواف، إذ السعي تابع لا يصح إلاّ بعد الطواف.
(٢) ينظر: المحلى ٦/ ١٦٧، الإحكام، ابن حزم ١/ ٣١٥.