المفصل في القواعد الفقهية
المفصل في القواعد الفقهية
خپرندوی
دار التدمرية
شمېره چاپونه
الثانية
د چاپ کال
۱۴۳۲ ه.ق
د خپرونکي ځای
الرياض
وإذا علمنا أن الشريعة قد حرمت المضار وجاءت لرعاية المصالح ورفع الحرج عن العباد، ثبت لدينا إباحة المحرمات عند الاضطرار بأية حالة كانت، لأن المضار لا تقتصر على ضرورة الغذاء أو الدواء وحدها بل هي ذات ميدان فسيح يتسع لكل ما يهدد المصالح الضرورية، وإذا كان الباري - سبحانه وتعالى - رفع بتلك الإباحة الحرج والمشقة عن عباده، فإن ذلك المعنى الذي لأجله رفع الحرج ودفعت المشقة لا يمكن أن ينحصر في ميدان ضيق، لا يتلاءم مع تلك المقاصد العظيمة.
ولعله من أجل هذا المعنى أبيحت إساغة اللقمة بالخمر، والتلفظ بكلمة الكفر، ودفع الصائل ولو أدى إلى قتله، وكل ما يتعلق بالدفاع الشرعي، والكشف عن العورة للطبيب لغرض العلاج، والدواء بالمحرم الذي لا يسد غيره مسده(١)، وغير ذلك من الأمور التي يمكن أن تدخل تحت هذا المفهوم وتقاس على ما سبق من الجزئيات.
ويجدر بنا هنا أن نشير إلى أن للعلماء بعض الضوابط فيما يتعلق ببعض حالات الضرورة، يستند بعضها إلى النصوص الشرعية، ومن ذلك حالة تحديد الجوع المبيح للميتة فعن أبي واقد قال: قلنا: يا رسول الله، إنا بأرض يكون بها المخمصة فما يحل لنا من الميتة؟ قال: ((إذا لم تصطحبوا ولم تغتبقوا ولم تحتفئوا بقلاً فشأنكم بها))(٢).
وهذا يعني أن من لم يطعم يوماً كاملاً ليله ونهاره، يعتبر مضطراً
(١) ذكر القاسمي في تفسير قوله تعالى: ﴿فَمَنِ اُضْطُرَّ غَيْرَ بَاغٍ وَلَا عَادٍ﴾ [الأنعام: ١٤٥] أن الراغب قال: ((واختلف إذا اضطر إلى ذلك في دواء لا يسد غيره مسده، والصحيح أنه يجوز له تناوله للعلة المذكورة، يعني إبقاء روحه بجهة ما رآه أقرب إلى إبقائه، وهي التي أجيز تناول ما ذكر له للجوع» ٣٨٣/٣.
(٢) رواه الدارمي في سننه ٨٨/٢، وأحمد في مسنده. نيل الأوطار ٨/ ١٥٠. والغبوق: ما كان في آخر النهار، وهو العشاء، والصبوح: ما كان من أول النهار، وهو الغداء. وتحتفئوا بقلاً بمعنى تأكلوا تمراً، وذكر أنه تمر خاص جيد وهو البُردي.
252