مِنْ بَعْدِهِمْ﴾ ١.
٢- روى الترمذي بإسناده إلى عبد الله بن مغفل المزني قال: قال رسول الله ﷺ: "الله الله في أصحابي لا تتخذوهم غرضًا بعدي فمن أحبهم فبحبي أحبهم، ومن أبغضهم فببغضي أبغضهم، ومن آذاهم فقد آذاني، ومن آذاني فقد آذى الله، ومن آذى الله يوشك أن يأخذه" ٢.
هذا الحديث تضمن الحث لكل إنسان يأتي بعد الصحابة في أن يحفظ حقهم، والمعنى: لا تنقصوا من حقهم ولا تسبوهم، بل عظموهم ووقروهم، ولا تتخذوهم هدفًا ترمونهم بقبيح الكلام، كما يرمى الهدف بالسهم، وبين ﵊ أن حبهم ما استقر في قلب إنسان إلا بسبب حبه للنبي ﷺ، أو بسبب حب النبي ﷺ إياهم وما وجد بغضهم في قلب إنسان إلا بسبب ما فيه من البغض للنبي ﷺ، ومعنى قوله ﷺ: "يوشك أن يأخذه": أي: يعاقبه في الدنيا أو في الآخرة٣. فالحديث دل على وجوب حب الصحابة ﵃ وخطورة بغضهم.
قال المناوي في قوله ﷺ: "الله الله في أصحابي" أي: اتقوا الله فيهم ولا تلمزوهم بسوء أو اذكروا الله فيهم، وفي تعظيمهم وتوقيرهم، وكرره إيذانًا بمزيد الحث على الكف عن التعرض لهم بمنقص "فمن أحبهم فبحبي أحبهم" أي: فبسبب حبهم إياي، أو حبي إياهم، أي: إنما أحبهم لحبهم إياي، أو لحبي إياهم. "ومن أبغضهم فببغضي" أي: فبسبب بغضه إياي، "أبغضهم" يعني إنما أبغضهم لبغضه إياي ... وخص الوعيد بها لما اطلع عليه مما سيكون بعده من ظهور البدع وإيذاء بعضهم زعمًا منهم الحب لبعض آخر، وهذا من
١ـ الجامع لأحكام القرآن للقرطبي ١٨/٣٢.
٢ـ سنن الترمذي ٥/٣٥٨، وقال عقبه: هذا حديث حسن غريب لا نعرفه إلا من هذا الوجه ورواه الإمام أحمد في مسنده ٤/٨٧، والبيهقي في الاعتقاد ص/١٦١.
٣ـ انظر تحفة الأحوذي ١٠/٣٦٥، الفتح الرباني للساعاتي ٢٢/١٦٩.