والمنافقين: هذه صفةُ المَلِكِ؛ إذ وليها بعده أقربُ الناسِ إليه نسبًا وحسبًا، وهذا عهد كسرى، ولصارت شبهةً للأمراء بعد ذلك بأن يُولِّي أحدُهم ولَدَه أو أخاه وقال: سُنَّة رسول الله، كما قال مروان إذْ خطبَ الناس لبيعة يزيد: "سُنّة أبي بكر وعمر"، فردَّ عليه عبد الرحمن بن أبي بكر: "بل سُنَّة كسرى وقيصر، إنّ أبا بكرٍ لم يولِّها ولَدَه ولا أخاه ولا قريبه" أو كما قال (^١).
فلو كانت الخلافة أولًا في سيدنا عليٍّ لوجَدَ مروانُ وأمثاله شبهةً يُغالطون بها الناس، وإلى نحو هذا يشير الحسن بن عليٍّ في قوله: "والله ما
(^١) أخرجه النسائي في "السنن الكبرى" (١١٤٢٦) والحاكم في مستدركه (٤/ ٥٢٨)، من طريق علي بن الحسين عن أمية بن خالد عن شعبة عن محمد بن زياد قال: لمَّا بايع معاوية لابنه قال مروان: سنة أبي بكر وعمر! فقال عبد الرحمن بن أبي بكر: سُنَّة هِرَقل وقَيْصَر .. " الأثر.
قال الحاكم: "صحيحٌ على شرط الشيخين ولم يخرجاه"، وقال الألباني في "الصَّحيحة" (٣٢٤٠): "وإسناده صحيح".
وفي روايةٍ لابن أبي حاتم في "تفسيره" (١٠/ ٣٢٩٥): "أهرقليَّةٌ؟! إن أبا بكر والله ما جعلها في أحد من ولده، ولا أحد من أهل بيته، ولا جعلها معاوية في ولده إلَّا رحمة وكرامة لولد .. " الأثر.
قال الألباني في "الصَّحيحة" (٣٢٤٠) عن إسناده: "إسناد صحيح".
وتُنظَر طرقه الأخرى في "الصحيحة" للألباني (٧/ ٢/٧٢١)، و"الدُّر المنثور" للسيوطي (١٣/ ٣٢٧ - ٣٢٨).
وأصله مختصرًا عند البخاري (٤٨٢٧) عن يوسف بن ماهك قال: "كان مروان على الحجاز، استعمله معاوية بن أبي سفيان ﵁، فخطب فجعل يذكر يزيد بن معاوية لكي يُبَايَع له بعد أبيه، فقال عبد الرحمن بن أبي بكر ﵁ شيئًا .. " الأثر.
6 / 319
التفضيل بين الخلفاء إن كان بتشييد الدين ونفع المسلمين وورود الأدلة فهم مشتركون فيه في الجملة.
التفضيل بين الخلفاء الأربعة إن كان بحسب منزلتهم عند الله فهو من الغيب الذي لا يعلمه إلا هو.
الفضائل عرض لها التعصبات، بدفن بعضها واختلاق بعضها الآخر.
لم يكن الخلفاء الأربعة مشتغلين بالتفاضل، بل كانوا يغمطون أنفسهم ويفضل كل غيره عليه.
كان السلف لا يهمهم إلا تعظيم الجميع، وإن قال به بالظن لم يعنف مخالفه فيه.
حصول بعض الوحشة بين الخلفاء ليس بمحدث فما زال جاريا بين الأخيار ولم يسلم منه الأنبياء.
ومع الوحشة التي حصلت بين الأخيار فقد كانوا سليمي الصدور تجاه بعضهم.
تفضيل الخلفاء بحسب ترتيبهم في الخلافة ليس قطعيا؛ إذ الإمامة كالأمارة يولاها الأصلح لها.
ذكر أربعة وجوه في تأخر خلافة علي مع فضائله عن الثلاثة الآخرين.
جرت حكمة الله أن ينبأ الأنبياء ببلوغ الأربعين، وعلي حين وفاته ﷺ ووفاة أبي بكر لم يكن بلغها.
من حكمة الله في تأخر خلافة علي ما قد يترتب من مفاسد ترجح على المصالح المرجوة من توليه لها.
من مفاسد تولي علي للخلافة بعد وفاته ﷺ ظن أهل الكتاب والمنافقين أن نبوته ﷺ ملك يورث.
حصل في تولي الخلفاء الثلاثة قبل علي مصالح تعود إلى ما خص الله كل واحد منهم من الخصال.