فاعْلم أنَّ الإمامةَ كالإمارة، والسُّنَّةُ أن يؤمَّر في كلِّ عملٍ أهل الاقتدار فيه، وإن لم يكونوا من أولي الأفضلية، كما وُلِّيَ عمرو بن العاصي على كثيرٍ من أكابر الصحابة؛ لمزيد علمه بالحروب ونحو ذلك.
واليقينُ الذي لا يشوبه ريبٌ أنَّ هذا الدين لم يزل يَسُوْسُه الله تعالى عند تأسيسِه فما بعده بما يصلحه، ولاسيّما بعد موتِ رسول الله ﵌ وارتدادِ العرب قاطبةً، ولله الحكمةُ البالغةُ، والذي يظهر من الحِكَمِ ما سيفتح الله به:
فأولًا: حكمة الله في الأنبياء أن لا ينبَّؤُوا إلَّا بعد بلوغِ سِنِّهم أربعين سنةً، وعند موتِ النبي ﵌ كان سيِّدُنا عليٌّ دون الأربعين، وكذا عند موت أبي بكرٍ.
وثانيًا: أنّه قد سبق في علم الله تعالى أنَّ كلًّا من الأربعة له حقٌّ في تولِّي الخلافة، وللدِّين مصلحةٌ في تولِّيه، فحينئذٍ لابد أن يتولَّاها قطعًا.
فلو تولَّاها أولًا عليٌّ وقد سبق تأخُّر أَجَلِه فلا تَصِلُ إلى غيره إلَّا بموته قبل أَجَلِه، وهذا محالٌ. أو بعَزْلِه وهذا ينافي الحكمة، ليس لمجرد التكدُّر، بل لِما يلزم العزلَ من المفاسد المشوِّشة.
فاقتضت الحكمة الإلهية أن يُوَلَّوها على ترتُّب آجالهم، وهذا الوجهُ قد كان فُتِحَ عليَّ به في الصِّغَر ثم رأيته محرَّرًا مقررًا للشيخ الأكبر نفع الله به (^١).
ثالثًا: لو وَلِيَها عليٌّ أولًا لقال أهل الكتاب وغيرهم من الكفار
(^١) لم يتبيّن لي من هو!
6 / 318
التفضيل بين الخلفاء إن كان بتشييد الدين ونفع المسلمين وورود الأدلة فهم مشتركون فيه في الجملة.
التفضيل بين الخلفاء الأربعة إن كان بحسب منزلتهم عند الله فهو من الغيب الذي لا يعلمه إلا هو.
الفضائل عرض لها التعصبات، بدفن بعضها واختلاق بعضها الآخر.
لم يكن الخلفاء الأربعة مشتغلين بالتفاضل، بل كانوا يغمطون أنفسهم ويفضل كل غيره عليه.
كان السلف لا يهمهم إلا تعظيم الجميع، وإن قال به بالظن لم يعنف مخالفه فيه.
حصول بعض الوحشة بين الخلفاء ليس بمحدث فما زال جاريا بين الأخيار ولم يسلم منه الأنبياء.
ومع الوحشة التي حصلت بين الأخيار فقد كانوا سليمي الصدور تجاه بعضهم.
تفضيل الخلفاء بحسب ترتيبهم في الخلافة ليس قطعيا؛ إذ الإمامة كالأمارة يولاها الأصلح لها.
ذكر أربعة وجوه في تأخر خلافة علي مع فضائله عن الثلاثة الآخرين.
جرت حكمة الله أن ينبأ الأنبياء ببلوغ الأربعين، وعلي حين وفاته ﷺ ووفاة أبي بكر لم يكن بلغها.
من حكمة الله في تأخر خلافة علي ما قد يترتب من مفاسد ترجح على المصالح المرجوة من توليه لها.
من مفاسد تولي علي للخلافة بعد وفاته ﷺ ظن أهل الكتاب والمنافقين أن نبوته ﷺ ملك يورث.
حصل في تولي الخلفاء الثلاثة قبل علي مصالح تعود إلى ما خص الله كل واحد منهم من الخصال.