735

Le Tafsir des Versets Juridiques

تفسير آيات الأحكام

وحذره من ضرره، لأنه ظلم صارخ، وعدوان مبين، لما فيه من وضع الشيء في غير موضعه. فمن سوى بين الخالق والمخلوق، وبين الإله الرازق، والصنم الذي لا يسمع ولا ينفع ولا يغني عن صاحبه شيئا. فهو - بلا شك - أحمق الناس. وأبعدهم عن منطق العقل والحكمة. وحري به أن يوصف بالظلم، ويجعل في عداد البهائم..

وبعد أن ذكر سبحانه ما أوصى به لقمان ابنه من شكر المنعم، وذكر ما في الشرك من الشناعة. أتبعها سبحانه بوصية مستقلة عن وصايا لقمان ألا وهي (الوصية بالوالدين) ليشير إلى قبح الشرك، ويؤكد حكمة الرجل الصالح (لقمان) لابنه في نهيه عن الشرك فكأنه تعالى يقول: مع أننا أوصينا الإنسان بوالديه، وأمرناه بالعطف عليهما، والإحسان إليهما، وألزمناه طاعتهما لما تحملا في سبيله من المتاعب والمصاعب، مع كل هذا فقد حذرناه من طاعتهما في حالة الشرك والعصيان، لأنه لا طاعة لمخلوق في معصية الخالق، فالوضع السليم بين (الأب وابنه) هي الطاعة والإحسان، وامتثال كمال الأدب مع من رباه وتعب في شأن تربيته.

وقل رب ارحمهما كما ربياني صغيرا

[الإسراء: 24] فإذا تغير الوضع، وأصبح الأب والأم مدعاة للشرك، ومصدرا للعصيان، فلا سمع ولا طاعة ولا استجابة لصوت الضلال، مهما بذلا من جهد، ومع كل ذلك فقد ختم الله جل ثناؤه الآية الكريمة بوجوب صحبتهما بالمعروف والإحسان إليهما في الدنيا حتى ولو كانا مشركين، لأن حقهما على ولدهما عظيم، وكفرهما بالله لا يستدعي ضياع المتاعب التي تحملاها في تربية الولد، فالإحسان إليهما واجب، وطاعتهما في معصية الله ممنوعة، واتباع سبيل المؤمنين الصادقين هو الطريق السوي الذي يوصل إلى رضوان الله تعالى.

سبب النزول

روى الحافظ (ابن كثير) في تفسيره عن (سعد بن أبي وقاص) رضي الله عنه أنه قال: (كنت رجلا برا بأمي، فلما أسلمت، قالت يا سعد: ما هذا الدين الذي أراك قد أحدثت! لتدعن دينك هذا، أو لا آكل، ولا أشرب، حتى أموت فتعير بي، فيقال: يا قاتل أمه، فقلت لها: يا أمه لا تفعلي، فإني لا أدع ديني هذا لشيء أبدا)!!

قال: فمكثت يوما وليلة ولم تأكل، فأصبحت قد جهدت، فمكثت يوما آخر وليلة ولم تأكل، فأصبحت وقد جهدت، فمكثت يوما وليلة أخرى لا تأكل، فأصبحت قد اشتد جهدها.. فلما رأيت ذلك جئت إليها فقلت: يا أمه، تعلمين والله، لو كانت لك مائة نفس أي (روح) فخرجت نفسا نفسا، ما تركت ديني هذا لشيء أبدا، فإن شئت فكلي وإن شئت فدعي.. فلما رأت صلابته في دينه أكلت فأنزل الله عز وجل { وإن جهداك على أن تشرك بي ما ليس لك به علم فلا تطعهما وصاحبهما في الدنيا معروفا واتبع سبيل من أناب إلي... } الآية.

لطائف التفسير

اللطيفة الأولى: ذكر الله سبحانه وتعالى في الوصية (أمر الوالدين) ثم نوه بشأن الأم خاصة، فهو من باب ذكر (الخاص بعد العام) لزيادة العناية والاهتمام، ولبيان أن حق الأم على الولد أعظم من حق الأب، وقوله تعالى: { حملته أمه وهنا على وهن } هذه جملة اعتراضية.

قال الزمخشري: في " الكشاف ": فإن قلت: قوله تعالى: { حملته أمه وهنا على وهن } كيف اعترض به بين المفسر والمفسر؟ قلت: لما وصى بالوالدين ذكر ما تكابده الأم وتعانيه من المشاق والمتاعب، في حمله وفصاله هذه المدة المتطاولة، إيجابا للتوصية بالوالدة خصوصا وتذكيرا بحقها العظيم مفردا، ومن ثم قال رسول الله صلى الله عليه وسلم لمن سأله: من أبر؟ قال: أمك، ثم أمك، ثم أمك، ثم قال بعد ذلك: أباك.

Page inconnue