Commentaire sur le Nahj al-Balagha
شرح نهج البلاغة
Enquêteur
محمد عبد الكريم النمري
Maison d'édition
دار الكتب العلمية
Édition
الأولى
Année de publication
1418 AH
Lieu d'édition
بيروت
وذكر أبو العباس أيضا في الكامل أن عليا عليه السلام في أول خروج القوم عليه ، دعا صعصعة بن صوحان العبدي - وقد كان وجهه إليهم - وزياد بن النضر الحارثي ، مع عبد الله بن عباس ، فقال لصعصعة : بأي القوم رأيتهم أشد إطافة ؟ قال : بيزيد بن قيس الأرحبي ، فركب علي عليه السلام إلى حروراء ، فجعل يتخللهم حتى صار إلى مضرب يزيد بن قيس ، فصلى فيه ركعتين ، ثم خرج فاتكأ على قوسه ، وأقبل على الناس ، فقال : هذا مقام من فلج فيه فلج يوم القيامة . ثم كلمهم وناشدهم ، فقالوا : إنا أذنبنا ذنبا عظيما بالتحكيم ، وقد تبنا ، فتب إلى الله كما تبنا نعد لك ، فقال علي عليه السلام : أنا أستغفر الله من كل ذنب ، فرجعوا معه وهم ستة آلاف ، فلما استقروا بالكوفة أشاعوا أن عليا عليه السلام رجع عن التحكيم ، ورآه ضلالا ، وقالوا : إنما ينتظر أمير المؤمنين أن يسمن الكراع وتجبى الأموال ، ثم ينهض بنا إلى الشام . فأتى الأشعث عليا عليه السلام ، فقال : يا أمير المؤمنين ، إن الناس قد تحدثوا أنك رأيت الحكومة ضلالا والإقامة عليها كفرا ، فقام علي عليه السلام يخطب ، فقال : من زعم أني رجعت عن الحكومة فقد كذب ، ومن رآها ضلالا فقد ضل ؛ فخرجت الخوارج من المسجد فحكمت . قلت : كل فساد كان في خلافة علي عليه السلام ، وكل اضطراب حدث فأصله الأشعث ، ولولا محاقته أمير المؤمنين عليه السلام في معنى الحكومة في هذه المرة لم تكن حرب النهروان ، ولكان أمير المؤمنين عليه السلام ينهض بهم إلى معاوية ، ويملك الشام ، فإنه صلوات الله عليه حاول أن يسلك معهم مسلك التعريض والمواربة ؛ وفي المثل النبوي صلوات الله على قائله : ' الحرب خدعة ' ، وذاك أنهم قالوا له : تب إلى الله مما فعلت ، كما تبنا ننهض معك إلى حرب أهل الشام ، فقال لهم مجملة مرسلة يقولها الأنبياء والمعصومون ، وهي قوله : أستغفر الله من كل ذنب ، فرضوا بها وعدوها إجابة لهم على سؤلهم ، وصفت له عليه السلام نياتهم ، واستخلص بها ضمائرهم ، من غير أن تتضمن تلك الكلمة اعترافا بكفر أو ذنب ، فلم يتركه الأشعث ، وجاء إليه مستفسرا وكاشفا عن الحال ، وهاتكا ستر التورية والكناية ، ومخرجا لها من ظلمة الإجمال وستر الحيلة إلى تفسيرها بما يفسد التدبير ، ويوغر الصدور ، ويعيد الفتنة ، ولم يستفسره عليه السلام عنها إلا بحضور من لا يمكنه أن يجعلها معه هدنة على دخن ، ولا ترقيقا عن صبوح ، وألجأه بتضييق الخناق عليه إلى أن يكشف ما في نفسه ، ولا يترك الكلمة على احتمالها ، ولا يطويها على غرها ، فخطب بما صدع به عن صورة ما عنده مجاهرة ، فانتقض ما دبره ، وعادت الخوارج إلى شبهتها الأولى ، وراجعوا التحكيم والمروق ، وهكذا الدول التي تظهر فيها إمارات الانقضاء والزوال ، يتاح لها أمثال الأشعث من أولي الفساد في الأرض ، ' سنة الله في الذين خلوا من قبل ولن تجد لسنة الله تبديلا ' .
قال أبو العباس : ثم مضى القوم إلى النهراون ، وقد كانوا أرادوا المضي إلى المدائن ، فمن طريف أخبارهم أنهم أصابوا في طريقهم مسلما ونصرانيا ، فقتلوا المسلم لأنه عندهم كافرا ؛ إذا كان على خلاف معتقدهم ، واستوصوا بالنصراني ، وقالوا : احفظوا ذمة نبيكم .
Page 164