وقيل في قوله تعالي:" ما يلفظ من قول إلا لديه رقيب عتيد" يكتب الأشياء كلها؛ حتى قول الرجل: يا جارية: ضعي الإناء، ويا جارية: اصنعي لي وضوءا، أو ياجارية: ناوليني نعلي، ناوليني ردائي؛ وحتى صفير الرجل لدابته لتشرب؛ وحتى إن هذا أسود، وأن هذا أبيض.
وبلغنا أن الملكين عليهما السلام أفرح بمحاسن العبد منه؛ إذا تكلم، وعمل الحسنات، وأنهما أشد حزنا منه بمساوئه، ويقولان: اللهم وفقه، وسدده؛ حتى يملي علينا خيرا.
ويقال: ما خطا عبد خطوة قط، إلا كتبت له حسنة، أو سيئة.
فصل:
إن الله تبارك وتعالي خلق الطاعة، والمعصية، وقدرهما وقضاهما مع الفعل، لا قبل، ولابعد، وليس لله شريك فيما قضي وقدر، ولم يؤت العبد من قبل خلق الله، وقدره وقضائه، ولكن: أوتي من قبل اكتسابه للمعصية، ومخالفته للأمر، وإيجاد الحجة عليه.
ولم يزل الله مريدا لذلك، فالطاعة إرادة رضا ومحبة، وعلم، ومشيئة، والمعصية إرادة علم، ومشيئة؛ لا إرادة أمر، ولا رضا، ولا محبة.
والدليل علي خلق الأفعال: قوله تعالي:" وأسروا قولكم، أو اجهروا به إنه عليم بذات الصدور" وقال:" ألا يعلم من خلق وهو اللطيف الخبير" يقول: كيف لا أعلم القول الذي يخفون، وأنا خلقته، وقال" ومن آياته خلق السموات والأرض واختلاف ألسنتكم وألوانكم"، فأجب اختلاف الألسنة، وهي اللغات؛ لكونها خلقا من خلقه، وكل ذلك كلام الخلق يحمدون علي الصواب منه، ويذمون علي الخطأ، فجعل خلقه الألسنة آية من آياته كخلق السموات والأرض، وقال:" وقدرنا فيها السير سيروا فيها ليالي وأياما آمنين" فأضاف الفعل إلي المخلوق، والخلق، والتدبير إلي الخالق جل وعلا، وقال:" ومن آياته منامكم بالليل والنهار وابتغاؤكم من فضله"
Page 354