والدليل على أن الله - تعالي - لم يشأ الإيمان من الخلق كلهم - قوله عز وجل: " ولو شاء ربك لآمن من في الأرض كلهم جميعا "، فلما لم يؤمنوا جميعا - علمنا أنه لم يشأ أن يؤمنوا؛ فمن آمن مختارا غير مجبر. قال الله تعالي: " إنه تذكرة، فمن شاء ذكره، وما يذكرون إلا أن يشاء الله ". فثبت أنه لا يكون إذ كما شاء الله، وعلم وأراد، وقال: " ولا تقولن لشيء إني فاعل ذلك غدا، إلا أن يشاء الله " فأخبر أنه لا يكون شيء شاءه أحد إلا أن يشاء الله، وأجمعت الفقهاء على أنه لو أن رجلا قال لغريمه: لأعطينك حقك غدا إن شاء الله تعالي ثم أصبح، ولم يعطه إنه غير حانث، ولا خلاف بينهم في ذلك.
فإن قال قائل: هذه الفواحش هل أرادها الله تعالي؟ قيل له أراد أن تكون قبيحة فاسدة خلاف الطاعة والإيمان.
فصل:
الإرادة: قال الله تعالي: " إنما قولنا لشيء إذا أردناه أن نقول له كن فيكون " وقال: " إنما قولنا لشيء إذا أردناه أن نقول له كن فيكون ".
وقال:" إن الله يفعل ما يريد" فهذه صفة ذات، لأن كل ما علمه الله فقد أراده.
وليست إرادته تعالي- فعلا، ولو كان فاعلا إرادة محدثة لم يخل من أن يكون أحدث إرادته في نفسه، أو في غيره أو قائمة بنفسها. فإن قال قائل: إنه أحدثها في نفسه فليس هو محلا للحوادث، وإن قال: إنه أحدثها في غيره: كان ذلك العير مريدا، وإن قال: إنه أحدثها قائمة بنفسها: كان مستحيلا؛ لأنها صفة، والصفة لا تقوم بنفسها، فلما فسدت هذه الوجوه- صح أنه تعالي لم لم يزل مريدا، كما أنه لم يزل قادرا عالما.
Page 342