La Voie des Fidèles
منهاج القاصدين
============================================================
4273) ربع الغهلكات / حتاب ذم الدنيا أبمنازل آبائك في الثرى؟ أم بمضاجع أمهاتك في البلى؟ كم رأيت موروثا، كم عللت بكفيك عليلا؟ كم مرضت بيديك مريضا تبتغي له الشفاء وتستوصف له الأطباء؟ لم تنفعه بشفاعتك، ولم تسعفه بطلبك، مثلث لك الدنيا غداة مضرعه مصرعك ومضجعه مضجعك. ثم التفت إلى المقابر فقال: يا أهل الغربة وأهل التربة، أما الدور فقد سكنت، وأما الأموال فقد اقتسمت، وأما الأزواج فقد نكحث، فهذا خبر ما عندنا فهاتوا خبر ما عندكم. ثم التفت إلى أصحابه فقال: أما لو أذن لهم لأخبروكم أن خير الزاد التقوى (1) .
ولما تنبه أقوام للإعراض عن الدنيا والؤهد فيها حسدهم إبليس فقسمهم طوائف؛ فمنهم طائفة أراهم أن الصواب تعجيل الانتقال عن الدنيا إلى الآخرة، فإن الواصل إليها سعيد كيفما وصل، فقتلوا أنفسهم ليتخلصوا من الدنيا، وعلى هذا جماعة من أهل الهند يتهجمون على النار ويقتلون أنفسهم ظنا منهم أنهم يتخلصون بذلك من محن الدنيا: ومنهم طائفة أوهمهم أنه لا بد من رياضة تميت الصفات البشرية وتقلعها بالكلية، فشددوا في المجاهدة على أنفسهم حتى هلك أكثرهم لشدة الرياضة، و منهم من فسد عقله، ومنهم من مرضى: ومن هؤلاء من بالغ في الرياضة فرأى أن البع لا ينقلع، فتوهم أن ما كلفه الشرغ محال فوقع في الإلحاد، ووقع لبعضهم أن هذه المجاهدات لا فائدة فيها؛ لأن الله تعالى مستغن عنها فلا تنفعه طاعة ولا تضره معصية، فسلكوا مسلك الإباحة وطووا بساط الشرع، وظنوا أن ذلك من صفاء توحيدهم حيث اعتقدوا أن الله مستغن عن عبادة عباده: وظن آخرون أن المقصود من العبادات المجاهدة حتى يصل العبد بها إلى معرفة الله، فإذا حصلت المعرفة فقد وصل، فاستغنى عن التعب، وزعموا أنه قد ارتفع (1) ذكره ابن أبي الدنيا في (ذم الدنيا) (147) وابن رجب في جامع العلوم والحكم 194/2 - 195، واليعقوبي في تاريخه 208/2.
Page 773