772

La Voie des Fidèles

منهاج القاصدين

============================================================

(772/ منهاج القاصدين وشفيد الصادقين ولما كانت الحاجة إلى المطعم والملبس والممسكن ضرورة افتقر الناس إلى الفلاحة والحياكة والبناء، ثم احتاجت كل صناعة من هذه إلى الآلات كالحدادة والنجارة، ثم احتاج الناس إلى الاجتماع إذ لا يكفل كل شخص منهم بجلب جميع مصالحه، وحصل التناسل وتولدت الخصائم، فافتقروا إلى سائس، ثم قد تخلو بعض البلدان عما يحتاج إليه فألقي في قلوب التجار الحرص فجلبوه، ومن الناس من يعجز عن صناعة لمكان التكاسل، فيحتال في أخذ ما ليس له أو في فتح باب الكذية(1).

ثم لا تزال أشغال الدنيا تتسلسل إلى أن تشغل القلب عن الآخرة شغلا كليا، فتكاد النفوس تظن لكثرة اهتمامها بمصالحها من المطعم والملبس والمسكن تظن أن المقصود دفع الزمان بذلك فحسب، وقد أنساها انهماگها على اكتسابها أن هذا إنما هو زاد للمسير إلى مقصود آخر، فترى خلقا كثيرا همهم جمع المال فحسب؛ لأنهم رأوه سببا لبلوغ الأغراض فأحبوه لذاته ونسوا ما وضع له، وخلقا همهم ما يأكلون، فهم يعملون طول النهار ليأكلوا، ويأكلون ليعملوا، وخلقا همهم في اجتلاب ما يوجب لهم المدح والثناء والتفاخر، وانهماك هؤلاء كلهم على ما انهمكوا عليه يخرجهم إلى الكبر والحسد والشره وغير ذلك من الأخلاق الذميمة: فهذا بيان أن ضرورة القيش جر إلى غيره، فنسي بذلك ما وضع الأصل له، فالذم إذا لا لصورة الدنيا، وقد روينا أن علي بن أبي طالب رضي الله عنه خطب فقال: الدنيا دار صدقي لمن صدقها، ودارعاقبة لمن فهم عنها، ومطلب نجح لمن سالمها، فيها مساجد الله، ومهبط وحيه، ومصلى ملائكته، ومتجر آوليائه، فيها اكتسبوا الرحمة، وربحوا فيها العافية، فمن ذا يذمها وقد آذتث ببينها، وتعت نفسها وأهلها، فمثلت ببلائها البلاء، وشؤقت بسرورها إلى السرور تخويفا وتحذيرا وترغيبا، فذمها قوم غداة الندامة، وحمدها آخرون ذكرثهم فذكروا ووعظتهم فانتهوا، فأيها الذام للدنيا المغتر بتغريرها متى استذمت إليك؟ بل متى غرتك؟

(1) الكذية: حرفة السائل الملح الذي تكفف الناس، وهي الشحاذة.

Page 772