La Voie des Fidèles
منهاج القاصدين
============================================================
6771/ ربع الفهلكات ) كتاب ذم الدنيا بيان حقيقة الدنيا وماهيتها والمذموم منها والمحموة قد سمع خلق كثير ذم الدنيا مطلقا، فاعتقدوا أن الإشارة إلى هذه الموجودات التي خلقت للمنافع فأعرضوا عن ما يصلحهم من المطاعم والمشارب، وقد وضع الله سبحانه في الطباع توقان النفس إلى ما يصلحها، فكلما تاقت منعوها ظنا منهم أن هذا هو المراد وجهلا بحقوق النفس، وعلى هذا أكثر المتزهدين، وإنما نقلوا ذلك لقلة العلم بالمراد وسوء الفهم للمقصود، ونحن تصدع بالحق من غير محاباة فنقول: اعلم أن الدنيا عبارة عن أعيان موجودة، للإنسان فيها حظ، وهي الأرض وما عليها، فإن الأرض مسكن للآدمي، وما عليها ملبس له ومطعم ومشرب ومتكح، وقد جعلت المعادن فيها كالخزائن فيها ما يحتاج إليه، وخلق النبات لقوته وكسوته ومصالحه، والحيوانات ليأكل من لحمها ويستسخر بعضها، كل ذلك علق لراحلة بدنه السائر إلى الله عز وجل، فإنه لا يبقى إلا بهذه المصالح، كما لا تبقى الناقة في طريق الحج إلا بما يصلحها، فمن تناول منها ما يصلحه على الوجه المأمور به مدح ولم يذم، ومن أخذ منها فوق الحاجة بكف الشره وقع الذم لفعله وأضيف إلى الدنيا تجوزا.
وليس للشره في تناول الدنيا وجه؛ لأنه يخرج عن النفع إلى الأذى ويشغل عن طلب الآخرة، فيفوت المقصود، ويصير بمثابة من أقبل يعلف الناقة وبرد لها الماء ويغير عليها ألوان الثياب، وينسى أن الرفقة قد سارت، فإنه يبقى في البادية فريسة للسباع هو وناقته.
ولا وجه للتقصير في تناول الحاجة من الدنيا؛ لأن الناقة لا تقوى على السير إلا بتناول ما ئصلحها.
Page 771