767

La Voie des Fidèles

منهاج القاصدين

============================================================

(77) ربع النهلكات (كتاب ذم الدنيا مثاك آخر للدنيا وأهلها في اشتغالهم بنعيمها عن الآخرة، وما يعقبهم ذلك من الحسرات: اعلم أن مثل أهل الدنيا في غفلتهم مثل قوم ركبوا سفينة فانتهت بهم إلى جزيرة، فأمرهم الملاح بالخروج لقضاء الحاجة، وحذرهم الإبطاء، وخوفهم مرور السفينة واستعجالها، فتفرقوا في نواحي الجزيرة ، فقضى بعضهم حاجته وبادر إلى السفينة، فصادف المكان خاليا، فأخذ أوسع الأماكن وألينها وأوفقها لمراده، وتوقف بعضهم في الجزيرة ينظر إلى أزهارها وأنوارها العجيبة ونغمات طيرها، وحسن أحجارها ومعادنها، ثم تنبه لخطر فؤت السفينة، فرجع فلم يصادف إلا مكانا ضيقا فجلس فيه، وأكب بعضهم على تلك الأحجار المستحسنة، والأزهار الفائقة، فحمل منها جملة، فلما جاء لم يجد في السفينة (1إلا مكانا ضيقا، وزاده ما حمله ضيقا، فصار محموله ثقلا عليه ووبالا، ولم يقدر على نبذه، ولم يجد له في السفينة موضعا()، فحمله على غنقه، فندم على أخذه، ولم ينفعه الندم، ثم ذبلت الأزهار وتغيرت أراييجها وآذاه نثنها، وتولج بعضهم في تلك الغياض ونسي السفينة وأبعد في تنزهه حتى إن الملاح نادى بالناس عند دفع السفينة فلم يبلغه صوته لاشتغاله بملاهيه، فهو تارة يتناول من الثمر، وتارة يشم تلك الأنوار، وتارة يعجث من خسن الأشجار، وهو على ذلك خائف من سبع يخرج عليه، حذر من نكبة تلحقه غير منفك عن شولە يتشبث بثيابه ويدخل في قدمه، وغصن يجرخ بدنه، وعوسج يخرق ثيابه ويهتك عورته، أو صوت هائل يفزع منه، فمن هؤلاء من لحق السفينة ولم يبق فيها موضع، فمات على الشاحل، ومنهم من شغله لهوه فافترسته الشباع، ومنهم من نهشته الحياث، ومنهم من تاه فهام على وجهه حتى هلك.

فهذا مثل أهل الدنيا في اشتغالهم بخظوظهم العاجلة ونسيانهم موردهم وعاقبة أمرهم، وما أقبح بالعاقل أن تغره أحجار وتبات يصير هشيما، فهو شاغل له في الدنيا بالخوف عليه والحزن لفقده، ثم يصير عليه عند رحيله وبالأ ولا يصحبه يشا (1-1) سقط من (ظ):

Page 767