La Voie des Fidèles
منهاج القاصدين
============================================================
()5) ربع التهركات (كتاب ذم الدنيا مثال آخر للدنيا وغبور الناس بها: اعلم أن أحوالك ثلاث: حالة لم تكن فيها شيئا، وهي ما قبل أن توجد، وحالة أخرى، وهي من ساعة موتك إلى ما لا نهاية له من البقاء السرمد، فلنفسك وجوذ بعد خروجها من البدن، إما في الجنة وإما في النار، ثم تعاد إلى بدنك فتجازى بعملك وتسكن إحدى الدارين وهو الخلود الدائم، وبين هاتين الحالتين - أعني ما قبل وجودك وما بعد موتك - حالة متوسطة، وهي أيام حياتك في الدنيا، فانظر إلى مقدار زمانها وانسبه إلى الحالتين تعلم أنه أقل من طرفة عين في مقدار عمر الدنيا.
ومن رأى الدنيا(1) بهذه العين لم يركن إليها ولم يبال كيف تقضث أيامه بها في ضر وضيق أو سعة ورفاهية، ولهذا لم يضع رسول الله لبنة على لبنة ولا قصبة على قصبة، وقال: لمالي وللدنيا، إنما مثلي ومثل الدنيا كراكب قال تحت شجرة ثم راح وتركها"، وقال : "اما الدنيا في الآخرة إلا كمثل ما يجعل أحذكم إصبعه هذه في اليم، فلينظر بم ترجع".
وإلى هذا أشار عيسى عليه السلام حين قال: الدنيا قنطرة، فاعبروها ولا تغمروها. وهذا مثل واضح، فإن الحياة الدنيا معبر إلى الآخرة، والمهذ هو الركن الأول على أول القنطرة، واللحد الركن الثاني على آخرها، ومن الناس من قد قطع نصف القنطرة، ومنهم من قطع ثلثيها، ومنهم من لم يبق له إلا خطوة واحدة وهو غافل عنها، وكيف ما كان فلا بد من الغبور، فمن وقف يبني على القنطرة ويزينها بأصناف الزينة وهو يستحث للعبور، فهو في غاية الجهل والحمق.
مثال آخر للدنيا في لين مأخذها وخحشونة مضدرها: اعلم أن أوائل الدنيا تبدو هينة لينة، فإذا خاض فيها الخائض واستطابها أهلكته، فمثلها كمثل الحية لين مسها وهي تقئل بسمها، فينبغي أن يكون الإنسان أسر ما يكون فيها أحذر ما يكون لها، فإن صاحبها كلما اطمأن منها إلى سرور اشخصه عنه مكروه.
(1) قيلها في الأصل: (مقدار).
Page 765