La Voie des Fidèles
منهاج القاصدين
============================================================
76 منهاج القاصدين وشقيد الصادقين من التعب، فخرج بغير زاد، وقدم على غير مهاد، فاحذرها يا أمير المؤمنين، وكن أسر ما تكون فيها أحذر ما تكون لها، فإن صاحب الدنيا كلما اطمأن منها إلى سرور أشخصته إلى مكروه، السارة فيها غدا ضارة، وقد وصل الرخاء منها بالبلاء، وجعل البقاء فيها إلى فناء، فسرورها مشوب بالحزن، لا يرجع منها ما ولى فأدبر، ولا يدرى ما هو آت فينتظر، آمانيها كاذبة، وآمالها باطلة، وصفوها كدر، وعيشها نكد، فلو كان الخالق لم يخبر عنها خبرا ولم يضرب لها مثلأ لكانت الذنيا قد أيقظت النائم ونبهت الغافل، فكيف وقد جاء منذ الله عز وجل عنها زاجر، وفيها واعظ، فما لها عند الله تعالى قدر ولا وزن، وما نظر إليها من خلقها، ولقد غرضت على تبينا بمفاتيحها وخزائنها لا ينقصه ذلك عند الله جناح بعوضة، فأبى أن يقبلها وكره أن يحب ما أبغض خالقه أو يرفع ما وضع مليكه، فزواها عن الصالحين اختيارا، وبسطها لأعدائه اغترارا، فيظن المغرور بها المقتدر عليها أنه أكرم بها ونسي ما صنع الله بمحمد حين شد الحجر على بظنه.
وقال الحسن: والله ما أحد من الناس بسط له دنيا فلم يخف أن يكون قد مكر به فيها إلا كان قد نقص عقله وعجز رآئه، وما أمسك الله عن عبد فلم يظن أنه قد خير له فيها إلا كان قد تقص عقله وعجز رأيه.
ابن آدم، لا تعلق قلبك بالدنيا فتعلقه بشر معلق، قطغ حبالها، وغلق أبوابها، حسبك أيها المرء ما بلغك المحل، هيهات هيهات، ذهبت الدنيا بحال بابها وبقيت الأعمال قلائد في الأعناق.
وكان يقول: خباث، كل عيدانك قد مصضنا فوجدنا مرا.
وكان يقول: إن قوما أكرموا الدنيا فصليتهم على الخشب، فأهينوها، فأهنأ ما تكون إذا أهنتموها.
وقال مالك بن دينار: اثقوا السحارة، فإنها تسحر قلوب العلماء. يعني الدنيا: وقال: بقدر ما تحزن للدنيا، فكذلك تخرخ هم الآخرة من قلبك، وبقدر ما تحزن للآخرة، فكذلك تخرج هم الدنيا من قلبك:
Page 760