744

La Voie des Fidèles

منهاج القاصدين

============================================================

7 منهاج القاصدين ونفيد الصادفين أكثر مما يحسد الأجانب، والمرأة تحسذ ضرتها وسرية زوجها أكثر مما تحسد أم الزوج وابنته؛ لأن مقصد البزاز غير مقصد الإسكاف، فلا يتزاحمون على المقاصد، إذ مقصد البزاز الثروة ولا يحضلها إلا بكثرة الزبون، وإنما ينازعه في ذلك بزاز آخر، إذ حريف (1) البزاز لا يطلب الإسكاف، بل البزاز، ثم مزاحمة البزاز المجاور له أكثر من مزاحمة البعيد عنه إلى طرف الشوق، فلا جرم يكون حسذه للجار أكثر، وكذلك الشجاع يحسد الشجاع ولا يحسد العالم؛ لأن مقصده أن يذكر بالشجاعة ويشتهر بها وينفرد بهذه الخضلة، ولا يزاحمه العالم على هذا الغرض، وكذلك يحسد العالم العالم ولا يحسد الشجاع، ثم حسد الواعظ للواعظ أكثر من حسده للفقيه والطبيب؛ لأن التزاحم بينهما على مقصود أخص.

فأصل هذه المحاسدات العداوة، وأصل العداوة التزاحم على غرض واحد، والغرض الواحد لا يجمع متباعدين، بل يجمع متناسبين، فلذلك يكثر الحسذ بم إلا أن من اشتذ حرضه على الجاه وأحب الصيت في جميع أطراف العالم بما هو فيه، فإنه يحسد كل من هو في العالم وإن بعد ممن يساهمه في الخصلة التي يتفاخر بها.

ومنشأ جميع ذلك حب الدنيا، فإن الدنيا هي التي تضيق على المتزاحمين، وأما الآخرة فلا ضيق فيها، وإنما مثال الآخرة نعمة العلم، فمن أحب معرفة الله تعالى ومعرفة صفاته وملائكته وأنبيائه وملكوت أرضه وسمائه، لم يحسد غيره إذا عرف ذلك أيضا؛ لأن المعرفة لا تضيق على العارفين بل المعلوم الواحد يعرفه ألف ألف عالم، ويفرح بمعرفته ويلتذ به، ولا تنقص لذة واحد بسبب غيره، بل يحضل بكثرة(4) العارفين زيادة الأنس وثمرة الإفادة والاستفادة، فلذلك لا يكون بين علماء الدين محاسدة؛ لأن مقصودهم معرفة الله، وهو بحر واسع لا ضيق فيه، (1) الحريف، كشريف: المعامل لصاحب الحرفة، والجمع خرفاء.

(2) تحرفت في (ظ) إلى: (فكرة).

Page 744