712

La Voie des Fidèles

منهاج القاصدين

============================================================

(7127 منهاج القاصدين ومفيد الصادقين وأما القسم الثاني: فيمكن التوصل بالرياضة إلى الانفكاك عن الغضب عليه إذ يمكن إخراج حبه من القلب، وذلك بأن يعلم الإنسان أن وطنه القبر ومستقره الآخرة، وإنما الدنيا معبو، وإنما يؤخذ منها قدر الضرورة، وما وراء ذلك وبالل على صاحبه، فيزهد في الدنيا، وينمحي خبها من قلبه، ولو كان للإنسان كلب لا يحبه لم يغضب إذا ضرب، فالغضب تبع(1) للحب، والرياضة في هذا قد تنتهي إلى قمع أصل الغضب، وهو نادر جدا ، وقد تنتهي إلى المنع من استعمال الغضب والعمل بموجبه، وهو أهون فإن قيل: فالضروري من القسم الأول هو التألم بفوات المحتاج إليه دون الغضب، فإن من ماتت له شاة وهي قؤته لم يغضب على آحد، وإن حصلت له كراهة لذلك، وليس من ضرورة كل كراهة غضبت، فإن الإنسان يتألم بالقضد والحجامة، ولا يغضب على الفصاد والحجام، فمن غلب عليه التوحيد حتى يرى الأشياء كلها من الله تعالى لم يغضب على أحد من خلقه، إذ يراهم مسخرين في قبضة قدرته، كالقلم في يد الكاتب، ومن وقع ملك بضرب غنقه لم يغضب على القلم، فلا يغضب على من ذبح شاته التي هي قوته، كما لا يغضب إذا ماتت؛ لأنه يرى الذبح والموت من الله تعالى، فيندفع الغضب بغلبة التوحيد، ويندفع أيضا لحسن ظنه بالله، وهو أن يرى أن الكل منه، وأنه لا يقدر له إلا ما فيه الخيرة، وربما تكون الخيرة في جوعه، ومرضه وجرحه وقتله، فلا يغضب كما لا يغضب على الفصاد؛ لأنه يرى أن الخيرة في الفصد.

فالجواب: أن هذا على هذا الوجه غير محال، ولكن غلبة التوحيد إلى هذا الحد إنما تكون كالبرق الخاطف يغلب في أوقات مختطفة ولا يدوم، ثم يرجع القلب إلى الالتفات إلى الوسائط رجوعا طبعيا لا يندفع عنه، ولو تصور ذلك على الذوام لبشر لتصور لرسول الله ق، فإنه كان يغضب حتى تحمر وجنتاه، حتى قال في رواية جابر: "إنما أنا بشر، وإني أشترط على ربي عز وجل أي عبد من المسلمين شتمته أو سببئه أن يكون ذلك له زكاة وأجرا" انفرد بإخراجه مسلم.

(1) تحرفت في الأصل إلى: (مع).

Page 712