La Voie des Fidèles
منهاج القاصدين
============================================================
ربع النهلكات ( كتاب رياضة النفس وتهذيب الخلق...
وكما أنه لابد من احتمال مرارة الدواء وشدة الصبر عن المشتهيات لعلاج الأبدان المريضة فكذلك لابد من احتمال مرارة المجاهدة والضبر لمداواة مرض القلب بل هو أولى، فإن مرض البدن يخلص منه الموت، ومرض القلب عذاب يدوم بعد الموت أبدا، وكما أن كل مبرد لا يكفي لعلة سببها الحرارة إلا إذا كان على حذ مخصوص، ويختلف ذلك بالشدة والضعف والكثرة والقلة، ولابد له من عيار يعرف به مقدار النافع منه، فإن لم يحفظ عياره زاد الفساد، فكذلك ما تعالج به الأخلاق، فإن الطبيب لا يعالج مالم يعرف أن العلة من حرارة أو برودة، فإن كانت من خرارة نظر إلى درجتها، هل هي ضعيفة أو قوية فإذا عرف ذلك التفت إلى أحوال البدن وأحوال الزمان وسن المريض وصناعته وأحواله، ثم عالج بحسب ذلك، فكذلك المعلم الذي يطب نفوس المريدين ينبغي له أن لا يهجم عليهم بالرياضة في (1) فن مخصوص حتى يعرف أخلاقهم وأمراضهم، إذ ليس علاج كل مرض واحدا؛ فإذا رأى جاهلا بالشرع علمه، وإذا رأى متكبرا حمله على ما يوجب التواضع، أو شديد الغضب ألزمه الحلم، وإن رآه لا يسخو بترك خلقه درجه إلى التغيير.
وليس غرضنا ذكر دواء كل مرض؛ لأن ذلك سيأتي في بقية الكتب إن شاء الله تعالى، وإنما الغرض الآن التنبيه على أن الطريق الكلي مخالفة النفس فيما قد ألفت من المذمومات: وأشد حاجة الرائض لنفسه إلى قوة العزم، فمتى كان مترددا بعد فلاحه(2)، ومتى أحس من نفسه ضغف العزم تصبر، فإن نقضت نفسه عزيمتها عاقبها لئلا تعاود، كما قال رجل لنفسه: تتكلمين فيما لا يعنيك، لأعاقبنك بصوم سنة.
(1) في الأصل: (إلى).
(2) تحرفت في (ظ) إلى: (فلا وجه).
Page 607