La Voie des Fidèles
منهاج القاصدين
============================================================
1574 منهاج التاصدين وشفيد الصادين إحداهما: أن يشتمل قلبه على خملة العلوم الضرورية الأولية، كالعلم باستحالة المستحيلات وجواز الجائزات الظاهرة، فتكون العلوم النظرية فيه غير حاصلة، إلا أنها صارت ممكنة قريبة الإمكان والحصول، فيكون كمن عرف الحروف المفردة دون المركبة، فإنه قد قارب الكتابة.
والدرجة الثانية: أن تحصل له العلوم المكتسبة بالتجارب والفكر، وتكون كالمخزونة عنده، فإذا شاء رجع إليها وحاله حال الحاذق بالكتابة يقال له: كاتب، وإن لم يباشر الكتابة لقدرته عليها.
وهذا الذي ذكرناه هو غاية درجة الإنسانية إلا أن في هذه الدرجة مراتب يتفاوت الخلق فيها تارة بكثرة المعلومات وقلتها، وتارة بشرف المعلومات وحسنها، وتارة بطريق تحصيلها إذ بعضها يحصل لبعض القلوب بالهام إلهي على سبيل المكاشفة، وبعضها بتعلم واكتساب، وفي هذا المقام تتباين منازل العلماء والحكماء والأولياء والأنبياء، ولا حصر لتلك المنازل، وإنما يعرف كل سالك المنزل الذي بلغه، فيعرفه ويعرف ما خلفه من المنازل لا ما بين يديه، كما لا يعرف الجنين حال الطفل، ولا الطفل حال المميز، ولا المميز حال العاقل، ولا العاقل حال الأولياء والأنبياء، وأقصى الرتب فيها رتبة النبي الذي تنكش له الحقائق من غير اكتساب بل بكشفي إلهي في أسرع وقت.
فقد بان من هذه الجملة أن خاصية الإنسان العلم والحكمة، وأشرف أنواع العلم العلم بالله وصفاته، فالبدن مركب النفس، والنفس محل العلم، والعلم خاصية الإنسان التي لها خلق، فكما أن الفرس يشارك الحمار في قوة الحمل ويختص بالكر والفر وحسن الهيئة، فيكون الفرس مخلوقا لأجل تلك الخاصية، فإن فقدت منه نزل إلى حضيض وتبة الحمار، فكذلك الإنسان يشارك الحمار والفرس في أمور، ويفارقه في آمور وهي خاصيئه، وتلك الخاصية من صفات الملائكة المقربين، والإنسان على رتبة بين البهائم والملائكة، فإن الإنسان من حيث يتغذى وينسل نباث، ومن حيث يحس ويتحرك حيوان، ومن حيث صورته وقامته فكالضورة المنقوشة على الحائط، وإنما خاصيته معرفة حقائق الأشياء، فمن
Page 574