573

La Voie des Fidèles

منهاج القاصدين

============================================================

253) ربع النهاكات ( كتاب شرح عجائ القلب بيان خاصية قلب الإنسان اعلم أن جميع الحيوان قد شارك الآدمي في وجود الشهوة والغضب والحواس الظاهرة والباطنة، حتى إن الشاة ترى الذتب بعينها، وتعلم عداوته لها بقلبها فتهرب منه، فذلك إدراك بالباطن.

فأما ما يختص به قلب الإنسان الذي لأجله عظم شرفه وصلح للقرب من الله تعالى، فهو راجع إلى علم وإرادة.

أما العلم، فهو العلم بالأمور الدنيوية والأخروية والحقائق العقلية، فإن هذه أمور وراء المحسات لا يشارك الآدمي فيها الحيوانات، بل العلوم الكلية الضرورية من خواص العقل، فإن الإنسان يحكم أن الفرس الواحد لا يتصور أن يكون في مكانين في حالة واحدة، وهذا حكم منه على كل فرس، ومعلوم أنه لم يدرك بالحس إلا بعض الأفراس، فحكمه على جميع الأفراس زائد على ما أدركه بالحس، وإذا فهمت هذا في العلم الضروري، فهو في جميع النظريات أظهر.

وأما الإرادة، فإنه إذا أدرك بالعقل عاقبة الأمر وطريق الصلاح فيه انبعث من ذاته شوق إلى وجه المصلحة وإلى تعاطي أسبابها وإرادتها، وذلك غير إرادة الشهوة، فإن العاقل يريد الفضد والحجامة ويترك لذيذ الطعام في المرض، والشهوة تنفر من ذلك، ولو خلق الله تعالى العقل المعرف لعواقب الأمور ولم يخلق هذا الباعث المحرك للأعضاء على مقتضى حكم العقل لكان حكم العقل ضائعا، فقد بان اختصاص قلب الإنسان بعلوم وإرادات تنفك عنها سائر الحيوانات، بل ينفك عنها الصبي في أول الفطرة، وإنما تحدث فيه عند البلوغ وإنما الموجود في الصبي الشهوة والغضب والحواسن الظاهرة والباطنة، ثم للصبي في حصول هذه العلوم فيه درجتان :

Page 573