La Voie des Fidèles
منهاج القاصدين
============================================================
2519 ربع العادات (كتاب الأمر بالمعروف والتهي عن المنكر يواظب على الشرب، أو الظلم، أو الغيبة، فينغي أن يوعظ ويخوف بالله تعالى، وتورد عليه الأخبار الواردة بالوعيد في ذلك ويحكى له سيرة السلف وعادة المتقين، وكل ذلك بشفقة ولطف من غير عنف وغضب(1)، بل ينظر إليه نظر الراحم له، ويرى إقدام ذلك على المعصية مصيبة في نفسه هو؛ لأن المسلمين كنفس واحدة وهاهنا آفة عظيمة، ينبغي أن يتوقاها فإنها مهلكة، وهي أن العالم يرى عند التعريف عز نفسه بالعلم، وذل غيره بالجهل، فريما يقصد بالتعريف الإذلال وإظهار التميز بشرف العلم، وإذلال صاحبه بالنسبة إلى خسة الجهل، فإن كان الباعث هذا فهذا المنكر أقبح في نفسه من المنكر الذي يعترض عليه، ومثالك هذا المحتسب مثال من يخلص غيره من النار بإحراق نفسه، وهو غاية الجهل.
وهذه مزلة(2) عظيمة وغائلة هائلة، وغرور للشيطان يتدلى بحبله كل إنسان إلا من عرفه الله تعالى غيوب نفسه، وفتح بصيرته بنور هدايته، فإن في الاحتكام على الغير لذة للنفس عظيمة من وجهين: أحدهما: من جهة دالة العلم، والآخر من جهة دالة الاحتكام والسلطنة، وذلك يرجع إلى الرياء وطلب الجاه، وهو الشهوة الخفية المتداعية إلى الشرك الخفي، وله محك ومعيار ينبغي أن يمتحن به (3) المحتسب نفسه، وهو أن يكون امتناع ذلك الإنسان عن المنكر بنفسه أو باحتساب غيره أحب إليه من امتناعه باحتسابه، فإن كانت الحسبة شاقة عليه ثقيلة على نفسه، وهو يود أن يكفى بغيره فليحتسب، فإن باعثه هو الدين، وإن كان اتعاظ ذلك العاصي بوعظه وانزجاوه بزجره أحب إليه من اتعاظه بوعظ غيره، فما هو إلا متبع(4) هوى نفسه ويتوسل إلى إظهاره جاه نفسه بواسطة حسبته، فليتق الله تعالى، وليحتسب أولأ على نفسه، وعند هذا يقال له: عظ تفسك، فإن اتعظت، فعظ الناس وإلا فاستحي مني (1) ليست في الأصل.
(2) تحرفت في (ظ) إلى: لامنزلة".
(3) سقطت من الأصل.
(44) في الأصل: "مبتغ".
Page 519