La Voie des Fidèles
منهاج القاصدين
============================================================
485/ ربع العادات / كتاب آداب الشفر شيء إلا وهو شاهد لله تعالى بالوخدانية، ومسبخ له بلسان ذلق (1) لا يدركه إلا من ألقى السمع وهو شهيد، وأما الجاحدون والغافلون والمغترون بلامع السراب من زهرة الدنيا، فإنهم لا يبصرون ولا يسمعون، لأنهم عن السمع معزولون وعن آيات ربهم محجوبون يعلمون ظهرا من الحيوة الدنيا وهم عن الأخرة هر غفلون} [الروم: 7] وما يريد بذلك السمع الظاهر وإنما المراد السمع الباطن، فبه يدرك نطق لسان الحال، كقول القائل حكاية لكلام الوتد والحائط: قال الجدار للوتد: لم تشقني؟ فقال: سل من يدقتي فلم يتركني، ورائي الحجر الذي ورائي وما من ذرة في السماوات والأرض إلا ولها أنواع شهادات لله سبحانه بالوحدانية هي توحيدها، وأنواع شهادات لصانعها بالتقديس هي تسبيحها، ولكن لا يفقهون تسبيحها؛ لأنهم لم يسافروا من مضيق سمع الظاهر إلى فضاء سمع الباطن، ومن ركاكة لسان المقال إلى فصاحة لسان الحال، ومن يسافر ليستقري هذه الشهادات من الأسطر المكتوبة بالخطوط الإلهية على صفحات الجامدات، لم يطل سفره بالبدن، بل يستقر في موضع ويفرغ قلبه للتمتع بسماع نغمات التسبيحات من آحاد الذرات، فماله وللتردد في الفلوات وله غنية في ملكوت السماوات والشمس والقمر والنجوم مسخرات، وهي إلى أبصار ذوي البصائر مسافرات في الشهر والسنة مرات، بل هي دائبة في الحركة على توالي الأوقات، فمن الغرائب أن يدأب في الطواف بآحاد المساجد من أمرت الكعبة أن تطوف به، ومن الغرائب أن يطوف في أكناف الأرض من تطوف به أقطار السماء، ثم ما دام المسافر مفتقرا إلى أن يبصر عالم الملك والشهادة بالبصر الظاهر فهو بعد في المنزل الأول من منازل السائرين إلى الله تعالى والمسافرين إلى حضرته، وكأنه معتكف على باب الوطن لم يفض به السير إلى متسع الفضاء، ولا سبب لطول المقام في هذا المنزل إلا الجبن أو القصور، فرب سالك أخذ التوفيق بيده فأرشده إلى سواء السبيل، والأكثرون من ركاب هذه الطريق هالكون في التيه، فإن الذي يملك، ولا يتصدى لطلب الملك العاجز الجبان لعظم الخطر وطول التعب: (1) ذلق: فصيح
Page 485