480

La Voie des Fidèles

منهاج القاصدين

============================================================

منهاج القاصدين وشفيد الصادقين العزلة، وليمنع الناس عن أن يكثروا غشيانه وزيارته، ليصفو وقته، وليكف عن السؤال عن أخبارهم وعن الإضغاء إلى أراجيف البلد، وما الناس مشغولون به، فإن جميع ذلك ينغرس في القلب حتى ينبعث في أثناء الصلاة، فوقوع الأخبار في السمع كوقوع البذر في الأرض، لا بد أن ينبت وتتفرع العروق والأغصان.

وأحد مهمات المعتزل قطع الوساوس الضارفة عن ذكر الله تعالى، والأخبار ينابيغ الوساوس وأصولها، وليقنع باليسير من المعيشة وإلا اضطره التوسع إلى مخالطة الناس، وليكن صبورا على ما يلقاه من أذى الناس، ولا يصغي إلى الثناء عليه بالعزلة ولا القدح فيه بترك الخلطة، فإن ذلك يؤثر في القلب، فيقف عن السير .

والسير في طريق الآخرة إما بالورد والذكر مع حضور القلب، أو بالفكر في عظمة الله وملكه، أو بالتأمل لدقائق الأعمال ومفسدات القلب(1)، وطلب الخلاص منها، وكل ذلك يفتقر إلى الفراغ، فلا يحتمل ما يكدر القلب ويشغله، وليكن له جليق صالخ يستريح إليه ساعة عن كد المواظبة ففي ذلك عون على بقية الساعات .

ولا يتم له الصبر في العزلة إلا بقطع الطمع عن الدنيا، ولا ينقطع طمعه إلا بقصر الأمل، فيقدر أنه إذا أصبح لا يمسي، وإذا أمسى لا يصبح، فيسهل عليه صبر يوم، وليكن كثير الذكر للموت ووحدة القبر متى ضاق قلبه من الوحدة، وليتحقق أن من لم يحضل في قلبه من ذكر الله ومعرفته ما يأنس به لم يطق وحشة الوحدة بعد الموت، وأن من أنس بذكر الله ومعرفته لم يزل الموث أنسه؛ لأن الموت لا يهدم محل الأنس والمعرفة، كما قال تعالى في حق الشهداء: {بل أحياه عند ريهم يرزقون} [آل عمران: 169]، وكل متجرد لله في جهاد نفسه، فهو شهيد، كما قال [بعض الصحابة)(2) رجعنا من الجهاد الأصغر إلى الجهاد الأكبر.

آخر كتاب العزلة (1) في (ظ): القلوب".

(2) زيادة يستقيم بها السياق.

Page 480