477

La Voie des Fidèles

منهاج القاصدين

============================================================

2 ريع العادت ( كتاب الغزلة في اختيار (1) العزلة، فكم من معتزل في بيته باعثه التكبر، ومانعه من المحافل التقصير في إكرامه وتقديمه، وربما ترفع عن مخالطتهم لارتفاع محله عند نفسه، أو ليبقي طراوة ذكره بين الناس، وقد يعتزل خيفة ظهور مقابحه لو خالط، فلا يعتقد فيه الؤهد والاشتغال بالعبادة، فيتخذ من البيت سترا لمقابحه إبقاء على اعتقاد الناس فيه الزهد والتعبد.

وعلامة من هذه صفته أنه يحب أن يزار ولا يحب آن يزور، ويفرح بتقرب السلاطين والعوام إليه، واجتماعهم على بابه وتقبيلهم يده، ولو كان الاشتغال بنفسه هو الذي يبغض إليه المخالطة لأبغض زيارة الناس له، كما قال حاتم الأصم لأمير زاره، فقال له: ألك حاجة؟ قال: أن لا أراك ولا تراني.

والعزلة بهذا السبب جهل من وجهين: أحدهما: أن التواضع والمخالطة لا يغض من منصب من هو كبير بعلمه أو دينه، فقد كان النبي يمشي في السوق، ويجيب دعوة المملوك، ويسعى في حاجة الأمة، ويشتري الشيء فيحمله بنفسه، وكان أبو بكر الصديق رضي الله عنه يحلب لبعض الفقراء غنمهم، ويحمل الثياب إلى السوق ليتجر بها، وكان غمر رضي الله عنه يعر(2) المدينة بنفسه، ويمشي في حوائجه. وكان عثمان رضي الله عنه يقيل في المسجد، ويجالس الناس كأحدهم. وكان علي رضي الله عنه يستقي بأجرة ويحمل الحاجة إلى أهله، ويقول: لا ينقض الكامل من كماله ما جر ون نفع إلى عياله وكان أبو فريرة يحمل حزمة (3) الحطب على ظهره وهو أمير المدينة من قبل مروان، ويقول: طرقوا لأميركم، وكان الحسن بن علي يجلس مع المساكين، وهذا الأمر كان عاما في القوم شاملا لهم.

(1) ليست في الأصل.

(2) يعس: يطوف بالليل يكشف عن أهل الريبة.

(3) في (ظ): "جرزة.

Page 477