469

La Voie des Fidèles

منهاج القاصدين

============================================================

(429) ربع العادات ( حتاب الغزلة ولهذا المعنى الذي ذكرته أقول: من عرف من عالم زلة حرم عليه حكايتها لعلتين: إحداهما: أن ذكرها غيبة. والثانية: وهي أعظمها، أن حكايتها تهون على المستمعين أمر تلك الزلة، ويسقط من قلوبهم استعظامهم الإقدام عليها، فيكون ذلك سببا لتهوين تلك المعصية؛ لأنهم يقولون: إذا جرى هذا للعلماء، فكيف نحن؟1 وكم من شخص يحرص على جمع الدنيا، ويتهالك على خب الرياسة، ويستشهد بقول الله إخبارا عن سليمان: وهب لى ملكا لا ينبغى لأح من بعرى [ص: 35) ويقدر أنه أراد الهوى والرياسة، وربما احتجج بقتال علي ومعاوية(1)، وظن أن ذلك كان لطلب الرياسة لا لطلب الحق، وهذا الاعتقاد الخطأ يهون عليه أمر الرياسة ولوازمها من المعاصي، والطبع اللئيم يميل إلى اتباع الهفوات والإعراض عن الحسنات بل إلى تقدير الهفوة فيما لا هفوة فيه بالتنزيل على مقتضى الشهوة ليتعلل به، وهذه من دقائق مكائد الشيطان، فأهل اليقظة يتنبهون لمحاسن الأشياء، كما قال الله تعالى: فيتبعون أحسنه [الزمر: 18]، وأهل الغفلة يتناولون شر ما يسمعون، ويحملون المسموع على شر ما يفهمون، كما روي عن النبي أنه قال: "مثل الذي يستمع الحكمة ثم لا يعمل إلا بشر ما يسمع، كمثل رجل أتى راعيا فقال له: يا راعي أجزرني (2) شاة من غنمك. فقال: اذهب فخذ خير شاة فيها، فذهب فأخذ بأذن كلب الغنم" . فكل من ينقل هفوات الأئمة، فهذا مثله.

ومما يدل على سقوط وقع الشييء عن القلب بسبب تكرره ومشاهدته أن أكثر الناس إذا رأوا مسلما قد أفطر في رمضان استفظعوا ذلك حتى يكاد يفضي إلى اعتقادهم فيه الكفر، وقد يشاهدون من يؤخر الضلوات عن أوقاتها فلا ينفرون عنه نفورهم عن تأخير الصوم، مع أن ترك صلاة واحدة يخرج إلى الكفر، ولا سبب لذلك إلا أن الصلاة تتكرر، والتساهل فيها يكثر، فيسقط وقعها بالمشاهدة عن القلب، وكذلك لو لبس الفقيه ثوبا من حرير أو خاتما من ذهب، أو شرب من إناء (1) يعني بذلك ما جرى من وقعة صفين سنه 37 للهجرة، ينظر: تاريخ الطبري 5/ 5 وما بعدها، والبداية والنهاية 10/ 502 وما بعدها.

(2) يقال: أجزرت للقوم، أي: أعطيتهم شاة يذبحونها. ولا يقال إلا في الغنم خاصة.

Page 469