465

La Voie des Fidèles

منهاج القاصدين

============================================================

24157 رع العادات ( كتاب العزلة حراء، فلما قوي نور النبوة لم يحجبه الخلق عن الله تعالى، فكان ببدنه مع الخلق، وبقلبه مع الله سبحانه، وقد أخبرنا باستغراق همه بالله حين قال: لالو كنث متخذا خليلا لاتخذت أبا بكر خليلا، ولكن صاحبكم خليل الله" . ولن يتسع للجمع بين مخالطة الخلق ظاهرا والإقبال على الله سرا إلا قوة النبوة، فلا ينبغي أن يفتر كل ضعيف بنفسه فيطمع في ذلك، ولا يبعد أن تنتهي درجة بعض الأولياء إلى نحو ذلك: فقد قال الجنيد: أنا أكلم الله منذ ثلاثين سنة، والناس يظنون أني أكلمهم.

وهذا إنما يتيسر للمستغرق بحب الله تعالى استغراقا لا يبقى لغيره فيه متسع، ومثل هذا لا ينكر، فإن العشق للمخلوقين قد يفرط فيستغرق العاشق، فلا يدري ما الناس فيه وهو مخالطهم، فأمر الآخرة أعظم، إلا أن هذا يندر، فالعزلة أولى بالمريد.

وقد قيل لبعض الحكماء: إلى أي شيء أفضى بهم الزهد والخلوة؟ فقال: إلى الأنس بالله : وقيل لغزوان: لو جالست إخوانك؟ فقال: إني أصبت راحة قلبي في مجالسة من عنده حاجتي: وقيل للحسن: إن هاهنا رجلا لم تره قط إلا جالسا وحده خلف سارية فقال: إذا رأيتموه فأخبروني، فأخبروه، فأتاه فقال: يا عبد الله، ما يمنعك من مجالسة الناس؟ فقال: ما أشغلني عن الناس. قال : فما يمنعك أن تأتي هذا الرجل الذي يقال له: الحسن، فتجلس إليه؟ فقال: ما أشغلني عن الحسن وعن الناس. قال: فما الذي شغلك رحمك الله؟ قال: أني أمسي وأصبح بين ذنب ونعمة، فرأيث أن أشغل نفسي بالاستغفار للذنب، والشكر لله على النعمة. فقال له الحسن: أنت يا عبد الله عندي أفقه من الحسن، الزم ما أنت عليه.

وقال أويس: ما كنث أرى أن أحدا يعرف ربه فيأنس بغيره.

وقال بعض الحكماء: إنما يستوحش الإنسان من الخلوة لخلو ذاته عن الفضيلة، فيطرد عن نفسه الاستيحاش بملاقاة الناس، فإذا كانت ذاته فاضلة طلب

Page 465