Minhaj al-Muttaqīn fī ‘Ilm al-Kalām
منهاج المتقين في علم الكلام
دليل، لو وجب الأصلح لكان ما يفعله بناء من النعم واجبا، فلا يستحق عليه شكرا؛ لأن الشكر إنما هو في مقابلة التفضل لا الواجب، ولوجب أن يبقي الله الكفار كلهم أو يميتهم كلهم، وقد صور ذلك في رجلين كافرين، أحدهما مات وهو شاب والآخر مات وهو شيخ، فإن للشيخ أن يقول: هلا أمتني يا رب قبل أن أكفر فإن ذلك كان أصلح، فإذا قال الله إني عرضتك بالتبقية لمنافع الثواب، وذلك هو الأصلح كان للشاب أن يقول: فهلا بقيتني يا رب وعرضتني للثواب؛ لأن ذلك هو الأصلح.
دليل، لو وجب الأصلح لما اختلف الفاعلين، فكان يجب علينا الأصلح أيضا، وأكثرهم قد التزمه.
ويبطله أنه كان يلزم أن يفعل بأنفسنا سائر مفسدة وأن يجل علينا طلب المنافع من كل وجه، وخلافه معلوم، وليس لهم أن يقولوا أن ذلك مفسدة؛ لأنه لو كان كذلك لقبح منا فعله رأسا.
وبعد، فكان يجب علينا النوافل والصدقات وفعل جميع الكفارات الثلاث ،وعند هذا الإلزام افترقوا فقال بعضهم: يجب ولكن لا يعلى حد وجوب غيره، وقال بعضهم: إن في كونه مندوبا صلاح آخر، وقال بعضهم: الصلاخ في فعله كالصلاح في تركه، ومثل هذا كلامهم في سائر النعم التي يفعلها بعضنا إلى بعض في الشاهد، فإن بعضهم التزمها كما تقدم، وقال سائرهم: إنما لم يجب الصدقة العطاء الكثير؛ لأن في ذلك ضررا على أحدنا، وهذا يبطل كون علة الوجوب هي الأصلح، ويقتضي اعتبار قيد زائد على أنه وإن كان عليه ضرر فيقع الثواب أعظم منه، فلا يقدح في وجوبه كسائر الواجبات لاستواء الجميع في كونها أصلح، فلو وجب الأصلح لوجب على أحدنا أن يعطي /294/ الغير جميع ماله؛ لأنه أصلح لذلك الغير فيصير حقا له كسائر الحقوق.
ومتى قيل الأصلح له أن يصرفه في نفسه ومصالحه؛ لأنها أنفع له.
قلنا: بل الأصلح له أن يصرفه؛ لأن له ثوابا وحسن ثناء، على أنه ليس صرفه إلى نفسه؛ لأن أنفع له أولى من صرفه إلى الغير؛ لأنه أنفع.
Page 446