438

Minhaj al-Muttaqīn fī ‘Ilm al-Kalām

منهاج المتقين في علم الكلام

وذهب أبو لعي إلى أن وجه قبحها كونها تروكا للواجب فقط، ولم يجوز كونها مفساد بناء على أصله في أن كل مفسدة في الدين لا يصح وقوعها، وليس سديد؛ لأنها إنما تمنع وقوع المفسدة من فعل الله تعالى، فأما المفسدة من فعل المكلف جائز وقوعها ولا يقدح ذلك في جنس التكليف بما هي مفسدة فيه؛ لأن المكلف قد نهى عن فعلها وعلم كونها مفسدة، فمتى اختارها فقد أتي من جهة نفسه.

ومثل هذا خلاف أبي علي في المعرفة فإنه جعل وجه وجوبها أن تستبقي المرء بها ما أنعم الله به عليه بالشكر الذي لا يتم إلا بها، ودفع الضرر عاجل أو لوجوب شكر المنعم، أو لئلا تكون قد أبيح له الجهل الذي هو ترك لها.

وعند أبو هاشم أن وجه وجوبها كونها لطفا كما سلف.

فصل [في الكلام على أهل الأصلح]

عند جمهور أهل الحق: أن مجرد كون الشيء نفعا لا يكفي في وجوبه بل لا بد من أحد ثلاثة وجوه:

إما أن يختص بوجه لأجله يجب نحو رب الودية وشكر المنعم ودفع الضرر والإنصاف والإثابة ونحو ذلك.

وإما أن يكون لطفا كمعرفة الله وبعثة الأنبياء وكالشرعيات.

وإما أن لا يتم الواجب أو القبيح إلا به، كالقيام وفتح الباب والنظر في العقليات وكالطهور في الشرعيات، وكالإعادة من فعل الباري تعالى، وما خرج عن هذه الأقسام الثلاثة لا يجب، وخالفه بعض البغداديين، فقال بوجوب ما كان أصلح أي أنفع حتى حكموا بوجوب ابتداء الخلق، ووجوب التكليف مما يعده أصحابا تفضلا، وفيهم من طرد هذه القضية في الشاهد أيضا فحكم بوجوب الأصلح من فعل العباد.

لنا: أنه لو وجب على الله تعالى الأصلح لوجب أن يوجد من الشهوات والمشتهيات أكثر مما أوجد وأكثر؛ لأن ذلك أنفع من حيث أ، لذة من يشتهي الشيء لشهوتين أكثر من لذة من يشتهيه بشهوة واحدة، وبهذا يتفاضل أهل الجنة، وقد ألزمهم أصحابنا أن يوجد من ذلك الا يتناهى، وإلا كان محلا بواجب واستحالته لا تخرجه عن كونه واجبا لحصول علة الوجب فيه وهي كونه أصلح وأنفع.

Page 444