435

Minhaj al-Muttaqīn fī ‘Ilm al-Kalām

منهاج المتقين في علم الكلام

وأما إذا كان اللطف من فعل أحدنا فإنما يجب عليه إذا كان لطف في واجب؛ لأن جهة وجوبه كونه دفعا للضر أو جاريا مجراه، ولا ضرر علينا في ترك المندوب، فلا يجب اللطف في المندوب؛ لأن اللطف كالفرع على الملطوف فيه، فلا يريد حالة على حالة، وكذلك /290/ إذا كان اللطف من فعل غير المكلف وغير الله تعالى بأن يعلم الله أن له لطفا في فعل صبي وبهيمة أو مكلف آخر، فإنه لا وجه يقتضي وجوب ذلك اللطف، إلا أنه لا يحسن التكليف بالملطوف فيه حتى يعلم أن ذلك اللطف يوجد فإن كان لصاحب اللطف صلاح فيه جاز أن يكلف هبه، ويكون انتفاع الملتطف به على جهة النفع لنفع المكلف به، ولهذا جعل أصحابنا مصلحة الشيء في البعثة مقدمة على مصلحة المكلفين فيها، وكذلك مصلحة الآخر بالمعروف والناهي عن المنكر مقدمة على مصلحة المأمور المنهي، وكذلك الذي يجد الزاني له لطف في الحد كما للمحدود إذا كان تائبا، فأما إذا اكن مصرا فالحد عقوبة له ولطف للحاد فقط، وللناظرين وكذلك أفعال الحفظة عليهم السلام من كتابتهم لأفعالنا وشهادتهم علينا.

فصل

اتفق الشيوخ على أن الإحلال باللطف لا يقدح في حسن التكليف لتقدمه. واتفقوا على أنه يقدح في حسن العقاب؛ لأن المعاقب حينئذ غير مزاح العلة. واختلفوا في الذم.

فقال أبو هاشم: يسقط أيضا ؛ لأن جهة استحقاقه واستحقاق العقاب واحدة.

وقال القاضي: لا يسقط؛ لأن الذي لأجله استحق الذم هو ارتكابه للقبيح مع علمه بقبحه وتمكنه من اجتنابه، ولهذا استحق الذم من العقلاء إذا علموا ذلك، وإن جهلوا ما عداه.

قال: ولأجل هذا يقال: إن الباري إذا أخل بالواجب تعالى عن ذلك استحق الذم، وإن لم يستحق عقابا، وليس يمتنع وقوف استحقاق العقاب على شرط زائد، وهو أن لا يكون في حكم المستفيد له المسقط لحقه بذلك، وهو العقاب، وليس كذلك حال الذم؛ لأنه شائع أي حق للمكلف ولغيره.

Page 441