433

Minhaj al-Muttaqīn fī ‘Ilm al-Kalām

منهاج المتقين في علم الكلام

قلنا: ومن سلم لكم أن الله لا يعنيه، والحال هذه وما أنكرتم أن هذا الفقير الذي فرضتم الحال فيه يعلم الله أنه عند الفقراء أقرب إلى اختيار الطاعة حتى لو أعناه لازداد طغيانا، وليس معصيته عند الفقر على أنه يطبع عند الغناء.

فصل

ظاهر كلام أصحابنا أن اللطف من فعل الله تعالى يجب أن يفعل على أبلغ الوجوه، وهذا هو الذي تقتضيه أجوبة هذه الشبة والذي يمكن أن يعترض به على هذا الأصل هو ن يقال الذي دل على وجوب اللطف في الشاهد يدل على أنه /289/ لا يجب أن يكون على أبلغ الوجوه، فإن أحدنا إذا صنع للغير طعاما ثم علم أنه لا تأتيه إلا إذا توجه إليه بالناس، ودخل عليه بكتاب الله تعالى، فإنه لا يجب عليه ذلك إذا قد أعذر إليه بالإرسال، وكان الوجه في ذلك أن الغرض إزاحة العلة، فمن أين يجب أن تكون تلك الإزاحة على أبلغ ما يكون حتى يجب في الباري مثله.

ويمكن الجواب: بأن الفرق إنما لم يجب في الشاهد أن يستشفع إليه بالناس، وبكتاب الله؛ لأن علته في ذلك مشقة وغضاضة تزيد الغرض رأسا حتى لو قدرنا بإنفاء الغرض بأن يكون الصنف عظيما تحصل نصافته نفع عظيم لوجب عليه بخلاف الباري، فإنه لا يلحقه مشقة، فالم يلطف بالمكلف على أبلغ الوجوه فقد عاد على غرضه بالنقص.

ولقائل أن يقول: قد وقع الإجماع بين الشيوخ على أن الله تعالى يجوز أن يسلب الألطاف والتوفيق عن بعض المكلفين جزاء على العصيان، ويجري مجرى العقوبة والحد؛ لأن على ما يقال في تفسير كثير من الآيات نحو {ونقلب أفئدتهم وأبصارهم كما لم يؤمنوا به أول مرة}، ونحو {ومن يرد أن يضله يجعل صدره ضيقا حرجا} ونحو ذلك، وكذلك وقع الإجماع على أنه يريد بعض المكلفين توفيقا وتسديدا، ولو وجب على أبلغ الوجوه لفعل بغيرهم مثلهم ولما سلم أولئك الألطاف والتوفيق.

Page 439