Minhaj al-Muttaqīn fī ‘Ilm al-Kalām
منهاج المتقين في علم الكلام
قالوا: قال تعالى: {انظر كيف ضربوا لك الأمثال فضلوا} فلا سبيل إلى تصحيح ما نسبوه إليك من السحر والشعر والجنون، وليس في ظاهرها للخصم متمسك، لو سلمنا أن الظاهر يقتضي ما قالوه فالمراد التشبيه، أي فضلوا فكأنهم لا يستطيعون سبيلا، كما يقوله السيد متهددا لعبده: لم تستطع أن تناولني الكوز.
بالجملة: فالآية وردت مورد التوبيخ، ولو كان كما ذكره الخصم لما كان للتوبيخ معنى.
القول في استحالة البدل
عن الموجود الحاصل لما ألزمهم أصحابنا على مذهبهم في الاستطاعة أن يكون تكليف الكافر بالإيمان تكليفا لما لا يطاق، عظم عليهم ذلك وجعلوا يحتالون للانفصال عن هذا الإلزام، فمرة يقولون: كان يجوز الإيمان بدلا من الكفر ،مرة يقولون: المأمور بالإيمان منهي عن ضده الذي هو الكفر وهو قادر على الكفر، فالعقوبة على فعل الكفر لا على ترك الإيمان، ونحو هذا من التخليط والخبط، إلى أن جاء الأشعري ومتبعوه فكشفوا القناع وصرحوا بتكليف مالا يطاق، وسيأتي الكلام عليهم.
وإنما نتكلم الآن على الذين أجازوا البدل عن الموجود، فنقول: أتريدون أنه يصح الإيمان من الكافر فرجال كفرة، فهذا يؤدي عندكم إلى اجتماع الضدين أو يصح بشرط أن لا يكون كان منه الكفر وكان بدله الإيمان، فهذا باطل؛ لأنه لو جاز البدل عن الموجود الحاصل لجاز مثله في صفات الأجناس وصفات الباري تعالى، فيجوز أن يكون الجوهر سواء بشرط أن لا يكون كان جوهرا ويجوز أن يكون الباري جاهلا بشرط أن لا يكون كان عالما، وكان بدله جاهلا لاستواء الجميع في الثبوت، وقد التزم بعضهم في ذلك صفات الباري تعالى، ومن لم يلتزمه لم يبرز فرقا.
فإن قال: الفرق أن صفات الأجناس وصفات الباري واجبة بخلاف وجود الكفر.
قيل له: هذا فرق من وراء الجمع المذكور.
وبعد، فنحن نلزمه جواز البد لفي كون هذه الصفات واجبة، فنقول: يجوز أن تكون جائزة بشرط أن لا يكون كانت واجبة، فيتوجه الإلزام.
Page 399