Minhaj al-Muttaqīn fī ‘Ilm al-Kalām
منهاج المتقين في علم الكلام
قالوا: لو كانت صالحة للضدين لما كان أحدها بالوقوع أو لأمر الآخر إلا لمعنى، كما أن الجوهر لا يختص أحد الجهتين دون الأخرى /260/ إلا لمعنى.
قلنا: يكفي في تخصيص أحد الضدين القادر واختياره؛ لأنه يؤثر على جهته التصحيح، ولو لم يقع أحد مقدور به إلا لمعنى لزالت طريقة الاختيار ولصار مؤثرا على طريق الإيجاب.
يوضحه أن ذلك المعنى المقدر لا بد أن يكون فعلا فيحتاج في وقوعه دون غيره إلى معنى آخر ويتسلسل بخلاف الكائنية، فإن الجوهر يحب حصوله في جهة ما، فاحتاج إلى مؤثر على سبيل الإيجاب.
ثم نقلت عليهم السؤال في قدرة الباري، فإنها متعلقة بالضدين، وليس لهم أن يقولوا: هناك معنى مخصص وهو إرادته تعالى؛ لأنا نقول: ولما كانت إرادته القديمة بأن تتعلق بهذا المراد دون غيره إلا لمخصص آخر، ويتسلسل.
وقد أجاب الغزالي بأن الإرادة القديمة لذاتها تختص بمراد دون مراد، وفي وقت دون وقت، وهذا كما هو مجرد الدعوى، فإنه يمكن أن يقال فيه: هلا كانت القدرة كذلك لمشاركتها للإرادة في القدم؛ لأنه إذا جاز في الإرادة أن تتعلق بمراد دون مراد، جاز في القدرة القديمة أن تتعلق بمقدور دون مقدور.
فإن قال: ذلك يقتضي انحصار مقدورات الباري تعالى حتى لا يصح أن يزيد عليها.
له قيل: وهو يقتضي أن ينحصر مراد به حتى لا يصح أن يريد أزيد منها، وليس بعد أحد الأمرين إلا كبعد الآخر.
وأيضا فكأن يكون تعلق الإرادة بالمرادات واجب لا يجوز خلافه، وكذلك القدرة، وفي ذلك كون فعله تعالى واقعا على جهة الإيجاب.
وأيضا فكان يلزم ما قدمنا من أنه كان لا يصح وصف الله تعالى بأنه إن شاء فعل مما لم تتعلق به الإرادة الازلية.
قالوا: القدرة إنما تتعلق بما يصح دخوله في الوجود، وليس ذلك حال الضدين.
Page 393