384

Minhaj al-Muttaqīn fī ‘Ilm al-Kalām

منهاج المتقين في علم الكلام

ويقال: ما عندكم في ذرة حملت خردلة أليس لا يقدر جبريل على حملها فلا بد من بلى.

فيقال: كيف يقدر على قلب المدن ونتق الجبال ولا يقدر على حمل خردلة.

ويقال: ما عندكم في رجل قتل نفسه أقدر على قتلها وهي حي، فهو الذي يقول أو هو ميت فكيف يقدر الميت على أن يقتل.

ثم إذا قد حصل القتل فعلى أي شيء قدر؟

ويقال: أليس الملائكة والأنبياء ما تركوا الكفر وسائر المعاصي رجاء لثواب الله ولا خوفا من عقابه، بل لأنهم لا يقدرون على ذلك، ولو قدروا على ذلك لكانوا أكفر من خلق الله وأظلمهم، وكذلك في الشياطين ما تركوا الإيمان وسائر الطاعات إلا لعجزهم، ولو قدروا على ذلك لكانوا أفضل عباد الله وأتقاهم وأطوعهم، فلا بد من بلى.

/258/ فيقال: هذا من أسوأ الثناء على الله وأحسن الثناء على أعدائه، ولو قيل لرجل من المخالفين: إنك لا تترك المعاصي إلا عجزا، ولو قدرت لكنت أعصى خلق الله، لأنكر ذلك ونفاه عن نفسه نفي مضطر إلى مجه.

ويقال لهم: ما عندكم لو قدرتم على قتل الأنبياء وهدم المساجد وتحريق المصاحف أليس كنتم تفعلونه، ولا تتركونه خوفا من الله ولا رجاء له، ولا بد من بلى.

فيقال: فأي نقص أعظم عليكم من هذا؟

ويقال: هل عفا ملك عن جان وهو يقدر على عقوبته أم لا؟ إن قالوا: لا، كابروا ولزم صحة العفو عما لا يقدر عليه حتى يكون ملك الروم قد عفا عن أهل الإسلام، وإن قالوا: نعم، تركوا أصلهم.

ويقال: أخبرونا عن الزهاد في الدنيا كالنبي عليه السلام والصحابة والصالحين، هل زهدوا فيما لم يقدروا عليه، فيلزم أن يكون كل فقير زاهد حتى يزهد أحدنا في قصر السلطان ومملكته أو في ما يقدرون عليه، فهو الذي يقول.

ويقال: إذا قال الله للعبد: مالك لا تؤمن ولإبليس مالك لم تسجد؟ فقال: لأني لم أقدر على ذلك، وإنما قدرت على الكفر أليس صادقا، فلا بد من بلى.

فيقال: فما معنى قوله تعالى: {هذا يوم ينفع الصادقين صدقهم}.

Page 390