Minhaj al-Muttaqīn fī ‘Ilm al-Kalām
منهاج المتقين في علم الكلام
وبعد، فإنما وجب تعلقها بالضدين لكن يصح من القادر إبتار أحدهما على الآخر وإيقاعه بدلا منه، وذلك يقتضي أن التعلق بهما ثابت في حالة واحدة.
فإن قال: هي بقدم أحد الضدين وتقارن أحدهما.
قيل له: قد بركت مذهبك في وجوب مقارنتها لمقدورها، والأمر الذي لأجله تقدمت على أحدهما حاصل في الآخر.
على أنه لا بد من أمر لأجله وقع أحدهما دون الآخر، وذلك الأمر هو الاختيار عند أهل هذه المقالة، أعني ابن الروندي وبعض المجبرة.
فنقول: أخبرونا عن هذا الاختيار، هل يجوز أن لا يحصل الفعل عنده فقد بطل قولكم بوجوب مقارنة القدرة لهذا الفعل المعين عند اختياره دون ضده أو هما مما يجب حصول الفعل عنده، فيعود الإلزام الذي هربتم له منه وهو تكليف ما لا يطاق؛ لأن الكفر قد صار واجب الوقوع عند الاختيار، فيكون التكليف بالإيمان تكليفا لما لا يطاق.
دليل، لا شك أن العقل إنما يحتاج إلى القدرة ليخرج بها من العدم إلى الوجود، وذلك يقتضي تقدمها عليه.
وتحقيقه أنه إما أن يحتاج إليها وهو معدوم، فهو الذي يقول أو يحتاج غليها، وقد وجد وهو محال؛ لأنه قد استغنى بوجوده عن القدرة، ولأنه لو احتاج إليها حالة الوجود لاحتاج إليها حالة البقاء والمحيل لاحتياجه غليها حالة البقاء هو الوجود فيه، يخرج عن تعلقه بالقدرة، وبهذا تفارق الإرادة، فإن تأثيرها هو في أن يقع الفعل بها على وجه، فوجب أن يقارن أو أن يكون في حكم المقارن، وكذلك يفارق العلم، فإنه يحتاج إليه في الأحكام، فما يجب تقدمه يجب أيضا مقارنته.
دليل، قدمنا أنه لا وجه من وجوه التعليق يقتضي استحالة انفكاك القدرة من المقدور إذ ليس يمكن الإشارة إلا إلى تعلق العلة بالمعلول والسبب المسبب، وقد أبطلناه، وأما تعلق التضمين فهو محال أيضا؛ لأن ما يضمن بالشيء فهو مضمن بضده بدلا منه، وذلك يقتضي تعلقها بالضدين، فيلزم وقوعهما.
Page 385