378

Minhaj al-Muttaqīn fī ‘Ilm al-Kalām

منهاج المتقين في علم الكلام

وبعد، فلو تضاد قدرتا الضدين لتضادتا على الجملة كالعلم والإرادة ونحو ذلك، فكان لا يصح أن يوجد في إحدى بدنه قدرة على الحركة في جهة في حال يوجد في اليد الأخرى قدرة على الحركة في جهة أخرى.

دليل، إنما يعلم كون أحدنا قادرا بكونه فاعلا، وإنما يعلم كونه فاعلا بوقوع تصرفه بحسب قصده وداعيه وانتفائه بحسب كراهته وصوارفه، فلو لم تكن القدرة صالحة للفعل والترك لكان أحدنا محمولا على الفعل مجبورا عليه، فلا يقع بحسب أحواله، فلا يكون فاعلا فيبطل كونه قادرا، فثبت أن الذي دل على القدرة دل على أنها صالحة للضدين، وهذا سديد على أصل الخصوم في أن الترك ضد للفعل، فأما على أصلنا فلا يستمر إلا في الفعل الذي له ضد، ولا يمكن الإنفكاك عنه، ومن ضده كالحركة والسكون، وهو كاف في الغرض المقصود، فإنه لم يفرق واحد بين ماله ضد وبين ما لا ضد له.

وقد حاول بعض أعمارهم الإنفصال عن هذا بأن قال: أن المجبور على الفعل غير اقدر عليه، ونحن فرضنا الكلام في القادر على فعل معين، وصار كحركة المرتعش، فإنه غير قادر عليها بخلاف حركة الماشي، فيقال: هذا عين التخليط والجهالة، وهل ألزمناك إلا زوال الفرق فإن الماشي إذا كان إنما بقدرة على الحركة دون السكون كانت حركته بمثابة حركة المرتعش.

على أن من أصلهم أن كل فاعل في الشاهد مجبور فلا وجه لهذا التفصيل.

فصل

وأما الركن الثالث: وهو أن القدرة متقدمة على مقدورها، فقد خالف فيه أهل الجبر.

لنا /254/: ما قد ثبت أنها صالحة للضدين، فلو كانت مقارنة لوجب وقوعهما.

فإن قيل: إنما يتعلق بهما في وقتين فيتعلق بأحدهما في الوقت الأول، وبالثاني في الوقت الثاني.

قلنا: هذا يقتضي أن تعلقهما يتحدد فتصير متعلقة بالضد الثاني بعد أن لم تكن متعلقة به، وهذا بقدح في أن تعلقها لما هي عليه فليس إلا أن تعلقها بما تعلقت به ثابت في كل حال ما دام مقدورا.

Page 384