Minhaj al-Muttaqīn fī ‘Ilm al-Kalām
منهاج المتقين في علم الكلام
دليل، لا شك أن القدرة على الحركة في المكان الأيمن في المسجد يصح أن يوجدها الله في أحدنا، وهو في المكان الأيسر، وإذا قدرنا وجودها وهو في المكان الأيسر لم يحل إما أن يتعلق بالحركة في المكانين، وهو المطلوب أو يخرج عن التعلق رأسا، وفي ذلك خروجها عما هي عليه في ذاتها؛ لأن تعلقها لذلك، وإما أن يتعلق بأحدهما وهو باطل؛ لأن انتقال محلها لو اقتضى اختلاف تعلقها لقدح ذلك في أن تعلقها لما هي عليه.
فإن قيل: لا يصح وجود القدرة في المكانين؛ لأنها توجب الحركة في أحدهما.
قيل: وهل توزعت إلا في ذلك، فكيف يعترض بنفس مذهبك على دليل قد نصبت لإفساده، لو أمكن هذا لما أمكن إبطال مذهب قط، ثم لم لا يصح والمصحح لوجودها /253/ هو كونه حيا، وهو في الموضعين على سواء.
فإن قال: كما لا يصح ذلك في نفس الكونين لا يصح في القدرة عليهما.
قيل له: ما الجامع أن أحد الكونين لو وجد في المكان الآخر لخرج عما هو عليه في ذاته، واتصف بصفة عنه؛ لأن الكون لما هو عليه في ذاته يوجب حصول الجوهر في جهة معينة، وليس كذلك القدرة، فإنها إنما توجب كونه قادرا وهو حاصل في الموضعين على سواء.
دليل، لو لم يكن أحدنا قادرا على الضدين لما كان لذلك وجه إلا تضاد القدرتين؛ إذ لو كانا مثلين أو مختلفين لصح اجتماعهما وتضادهما محال، وإلا وجب تضاد موجبهما وهو كون أحدنا قادرا على الضدين فيلزم إذا قدر الباري تعالى على الضدين أن يكون حاصلا على صفتين ضدين؛ لأن تضاد الصفتين لا يختلف باختلاف الموصوفين بهما، ولا باختلاف كيفية استحقاقهما.
ألا ترى أن كونه عالما بالشيء تضاد كونه جاهلا به في حالة واحدة، وكذلك كونه مريدا وكارها، ولا يختلف ذلك باختلاف الموصوفين، وجهة الاستحقاق؛ لأن تضاد الشيئين لما هما عليه، وبهذا يفارق الاختلاف، فإنه قد يكون لما هما عليه كالقدرة والعلم، وقد يكون لاختلاف المتعلق كالعلمين إذا تغاير متعلقهما.
Page 383