364

Minhaj al-Muttaqīn fī ‘Ilm al-Kalām

منهاج المتقين في علم الكلام

يزيده وضوحا أن الله تعالى أورد ذلك تسلية لنبيه عليه السلام لما اشتد أسفه على فقد إيمانهم فقال: {فإن استطعت أن تبتغي نفقا في الأرض أو سلما في السماء فتأتيهم بآية} يصيروا عندها ملجئين ولو شاء الله أن يلجئهم لفعل فلا تكونن من الجاهلين، فإنه لا يريد منهم الإيمان كرها وإنما يريده اختيارا ليصح بقاء التكليف واستحقاق الجزاء، ويجوز أن يكون المراد لجمعهم على الهدى الذي هو الثواب، فلم يصرح بآي معاني الهدى أراد ونحن قد بينا أن الهدى لم يرد بمعنى خلق الإيمان في اللغة.

ومنها قوله: {ولو أننا نزلنا إليهم الملائكة..} إلى قوله: {ما كانوا ليؤمنوا إلا أن يشاء الله}.

والجواب: قد قدمنا أنه لا يقع الإيمان ولا غيره من الطاعات إلا بمشية الله، ويجوز أن يكون المراد إلا أن يشاء الله يكرههم، ولو لا هذا لما كان ليورد الآية ذما لهم وإخبارا من شدة عتوهم؛ لأنهم والحال هذه معذورون.

نعم، لما كانوا يقترحون على النبي ويتعنتون في طلب الآيات أخبر الله تعالى أنه ماترك شيئا يؤمنون به عنده مختارين، وأنه لو فعل ما فعل ما آمنوا إلا مضطرين.

ومنها قوله: {وإذا أردنا أن نهلك قرية أمرنا مترفيها ففسقوا فيها} فأخبر أنه يستدرجهم بالفسق لإتمام مشيئته.

والجواب: أن ظاهرها يقتضي أنه تعالى أمرهم بالفسق، وهو باطل بالاتفاق، والمعنى قيل أمرناهم من الميزة ففسقوا وبطروا فاستحقوا العذاب، وقيل: أمرناهم بالطاعة على ألسنة الرسل ففسقوا بمخالفة الأمر فاستحقوا العذاب، وعلى كل حال فالله تعالى فعل بهم ذلك على وجه العقوبة على عصيانهم، بدليل قوله: مترفيها، فإن هذا لا يقال إلا للعاصي، وقد قرنت الآية بالتشديد أي جعلناهم أمراء وكبراء بالإمهال والإنعام فيخالفون ما يجب لنا من الشكر والطاعة بالكفر والفسق فنهلكهم عند ذلك.

ومنها قوله: {وما هم بضارين به من أحد إلا بإذن الله}.

Page 370