528

ثم بلغنا متسعا من الطريق يواجه مدينة الكاظمين (عليه السلام) محاطا بالبساتين من الجانبين وكان شطر من هذه الجادة يقع على يمين القادم من بغداد ملكا لبعض الايتام من السادة وقد اغتصبته الحكومة فجعله جزءا من الطريق العام، فكان الورع التقي من أهالي بغداد والكاظمية يحذر المسير في هذا الشطر من الجادة، فرأيت صاحبي هذا لا يأبى الجري عليه ، فقلت له : سيدي هذا الموضع ملك لبعض الايتام من السادة ولا ينبغي التصرف فيه ، فأجاب: هو لجدي امير المؤمنين (عليه السلام) وذريته وأولادنا ويحل التصرف فيه لموالينا، وكان على الجانب الايمن قرب هذا الموضع بستان لرجل يدعى الحاج ميرزا هادي وكان ثريا من أثرياء العجم المشهورين وكان يسكن بغداد ، فقلت : سيدنا هل صحيح ما يقال ان هذا البستان أرضه للامام موسى بن جعفر (عليهما السلام)؟ قال : ما شأنك وهذا، وأعرض عن الجواب ، ثم بلغنا ساقية مدت من نهر دجلة لري المزارع والبساتين وهي تقاطع الجادة فتنشعب هناك المسلك الى المدينة شعبتين هما الشارع السلطاني وشارع السادة، فتوجه صاحبي الى شارع السادة فدعوته الى الشارع السلطاني فرفض وقال: لنسر في شارعنا هذا، فما خطونا خطوات الا ووجدنا أنفسنا في الصحن المقدس عند منزع الاحذية (الكيشوانية) من دون أن نمر بسوق أو زقاق، فدخلنا الايوان من جانب باب المراد شرقا مما يلي الرجل فلم يمكث صاحبي للاستئذان لدخول الرواق الطاهر وورد من دون الاستئذان، ثم وقف على باب الحرم الشريف فخاطبني وقال : زر ، قلت : اني لا أعرف القراءة ، قال : فأقرأ لك الزيارة ؟ قلت : نعم ، فقال : أادخل يا الله، السلام عليك يا رسول الله، السلام عليك يا امير المؤمنين، (وسلم على الائمة واحدا فواحدا حتى بلغ الامام العسكري (عليه السلام) فقال:) السلام عليك يا ابا محمد الحسن العسكري، ثم خاطبني قائلا : أتعرف امام عصرك ؟ أجبت : وكيف لا أعرفه ، قال : فسلم عليه، فقلت: السلام عليك يا حجة الله يا صاحب الزمان يا بن الحسن، فتبسم وقال : عليك السلام ورحمة الله وبركاته، فدخلنا الحرم الطاهر وانكببنا على الضريح المقدس وقبلناه ثم قال لي : زر ، قلت : لا أعرف القراءة ، قال : فأقرأ لك الزيارة؟ قلت: نعم ، قال : في أي الزيارات ترغب؟ قلت : اقرأ علي ما هو أفضل الزيارات ، فقال : زيارة امين الله هي الفضلى، ثم أخذ يزور بها قائلا: السلام عليكما يا اميني الله في ارضه وحجتيه على عباده .. الخ واججت حينئذ مصابيح الحرم الشريف فشاهدت الشموع لا تؤثر ضياء في تلك البقعة الشريفة فكأنها مشرقة بنور الشمس والشموع تبدو كما لو اججت في وضح النهار هذا وأنا ذاهل عن هذه الايات فلا أنتبه اليها، فلما انتهى من الزيارة دار من سمت الرجل الى خلف القبر الشريف فوقف في الجانب الشرقي وقال : هل تزور جدي الحسين (عليه السلام) ؟ قلت : نعم أزوره (عليه السلام)فهذه ليلة الجمعة، فزاره (عليه السلام)بزيارة وارث وانتهى المؤذن حينئذ من أذان المغرب ، فقال لي صاحبي : صل والتحق بالجماعة فأتى المسجد الواقع خلف القبر الشريف وقد أقيمت هناك صلاة الجماعة ووقف هو منفردا الى يمين الامام محاذيا له ، أما أنا فوجدت مكانا في الصف الاول ووقفت هناك مصليا مع الجماعة فلما فرغت من الصلاة لم أجد صاحبي فخرجت من المسجد وفتشت عنه الحرم الشريف فلم أجده وكنت أنوي أن أبذل له عدة قرانات واستضيفه تلك الليلة واذا أنا أفيق من غفلتي وأنتبه، فأشخص السيد الذي صحبني فتتوالى في خاطري الايات والمعجزات التي مرت بي فقد انقادت له نفسي فعدت معه الى الكاظمين (عليهما السلام) غير مبال بما كان يصدني عن ذلك من الامر الهام في بغداد وقد دعاني باسمي ولم أكن قد رأيته من قبل وقد عبر بكلمة الموالين لنا وقال ايضا: أنا اشهد لك، وقد أبدى لي النهر الجاري والاشجار المثمرة في غير مواسمها، فهذه الشواهد الواضحة وغيرها مما شهدت تورث لي القطع واليقين بأنه هو الامام المهدي (عليه السلام) ولا سيما انه سألني : هل تعرف امام زمانك ؟ قلت : نعم ، فقال : سلم عليه ، فلما سلمت تبسم ورد هو علي السلام ثم أتيت حافظ الاحذية (الكيشوان) وسألته عن صاحبي ، فأجاب : قد خرج وسألني أكان هو صاحبك ؟ قلت : نعم ، ثم أويت الى البيت الذي كنت أحل بها ضيفا فبت فيه ليلتي فلما أصبح الصباح توجهت الى حضرة الشيخ محمد حسن وقصصت له قصتي، فوضع يده على فيه ونهاني عن افشاء القصة وقال لي : وفقك الله فكنت أكتمها ولا انبىء بها أحدا، وبعد شهر من حدوثها شاهدت يوما في الحرم الطاهر سيدا جليلا يدنو مني ويسألني ماذا حدث لك ويلمح الى القصة فأنكرتها قائلا : لم يحدث لي شيء ، فأعاد علي كلامه فاشتد انكاري لها ، ثم غاب عن بصري ولم أره بعد ، انتهى .

المطلب الثاني : في الذهاب الى المسجد الشريف مسجد براثا والصلاة فيه :

اعلم ان جامع براثا من المساجد المعروفة المباركة وهو واقع على الطريق بين الكاظمية وبغداد على الطريق الذي يسلكه الوافدون لزيارة الاعتاب المقدسة في العراق من دون مبالاة بالمسجد الذي يمرون عليه ، على ما روي له من الفضل والشرف الرفيع .

Page 760