ما رواه ابن القيم عن شيخ الإسلام
ما رواه ابن القيم عن شيخ الإسلام
Maison d'édition
دار القاسم
Année de publication
1427 AH
ولمثل هذه الفوائد التي لا تكاد توجد في الكتب يحتاج إلى مجالسة الشيوخ والعلماء. [بدائع الفوائد١ /١٠٧]
٣- اللفظ قالب المعنى ولباسه:
قال ابن القيم - رحمه الله -:
الأصل في الأسماء هو المفرد :
اعلم أن الأصل هو المعنى المفرد، وأن يكون اللفظ الدال عليه مفرداً، لأن اللفظ قالَبُ المعنى ولباسه يحتذي حذوه والمناسبة الحقيقية معتبرة بين اللفظ والمعنى طولاً وقصراً وخفة وثقلاً وكثرة وقلة وحركة وسكوناً وشدة وليناً، فإن كان المعنى مفرداً أفردوا لفظه وإن كان مركباً ركبوا اللفظ وإن كان طويلا طولوه، كالقطنط والعشنق للطويل فانظر إلى طول هذا اللفظ لطول معناه. وانظر إلى لفظ بحتر وما فيه من الضم والإجتماع لما كان مسماه القصير المجتمع الخلق، وكذلك لفظة الحديد والحجر والشدة والقوة، ونحوها تجد في ألفاظها ما يناسب مسمياتها، وكذلك لفظا الحركة والسكون مناسبتهما لمسمياتهما معلوم بالحس، وكذلك لفظ الدوران والنزوان والغليان وبابه في لفظها من تتابع الحركة ما يدل على تتابع حركة مسماها، وكذلك الدجال والجراح والضراب والأفَّاك في تكرر الحرف المضاعف منها ما يدل على تكرُّر المعنى.
وكذلك الغضبان والظمآن والحيران، وبابه صيغ على هذا البناء الذي يتسع النطق به ويمتلئ الفم بلفظه لامتلاء حامله من هذه المعاني فكان الغضبان هو الممتلئ غضباً الذي قد اتسع غضبه حتى ملأ قلبه وجوارحه وكذلك بقيتها، ولا يتسع المقام لبسط هذا فإنه يطول ويدقّ جداً حتى تسكع عنه أكثر الأفهام وتنبو عنه للطافته فإنه ينشأ من جوهر الحرف تارة وتارة من صفته ومن اقترانه بما يناسبه ومن تكرره ومن حركته وسكونه ومن تقديمه وتأخره ومن إثباته وحذفه ومن قلبه وإعلاله إلى غير ذلك من الموازنة بين الحركات وتعديل الحروف وتوخي المشاكلة والمخالفة والخفة والثقل والفصل والوصل، وهذا باب يقوم من تتبعه سفر ضخم وعسى الله أن يساعد على إبرازه بحوله وقوته.
ورأيت لشيخنا أبي العباس بن تيمية: فيه فهماً عجيباً، كان إذا انبعث فيه أتى بكل غريبة.
563