ما رواه ابن القيم عن شيخ الإسلام
ما رواه ابن القيم عن شيخ الإسلام
Maison d'édition
دار القاسم
Année de publication
1427 AH
وسادات الأئمة يرون كفر الجهمية أعظم من كفر اليهود كما قال عبدالله بن المبارك والبخاري وغيرهما، وإنما كانوا يلوِّحون تلويحاً وقل أن كانوا يصرحون بأن ذاته في كل مكان وأما هؤلاء الإلحادية فإنهم أخبث وأكفر من أولئك الجهمية ولكن السلف والأئمة أعلم بالإسلام وبحقائقه، فإن كثيراً من الناس قد لا يفهم تغليظهم في ذم المقالة حتى يتدبرها ويرزق نور الهدى فلما طلع السلف على سر القول نفروا منه، وهذا كما قال بعض الناس: متكلمة الجهمية لا يعبدون شيئاً ومتعبدة الجهمية يعبدون كلّ شيء وذلك لأن متكلمهم ليس في قلبه تأله ولا تعبد فهو يصف ربه بصفات العدم والموت، وأما المتعبد ففي قلبه تأله وتعبد والقلب لا يقصد إلا موجوداً لا معدوماً فيحتاج أن يعبد المخلوقات، إما الوجود المطلق وإما بعض المظاهر كالشمس والقمر والبشر والأوثان وغير ذلك، فإن قول الإلحادية يجمع كل شرك في العالم ويعم، ولا يوحدون الله - سبحانه وتعالى-، وإنما يوحدون القُدرَ المشترك بينه وبين المخلوقات، فهم بربهم يعدلون كل شيء حتى النبات والحيوان، وهذا حقيقةٌ قول الإِلحادية، وأعرف ناساً لهم اشتغالٌ في الفلسفة والكلام وقد تألهوا على طريق هؤلاء الإلحادية، فإذا أخذوا يصفون الرب - سبحانه - بالكلام قالوا: ليسَ بكذا ليسَ بكذا ووصفوه بأنه ليس هو المخلوقات كما يقوله المسلمون، لكن يجحدون صفات الإِثبات التي جاء بها الرسل - عليهم السلام-، وإذا صار لأحدهم ذوق ووُجد له تأله وسلك طريق الإلحادية، وقال إنه هو الموجودات كلها فإذا قيل له: إن ذلك النفي من هذا الإثبات، قال: ذلك عقدي وهذا ذوقي فيقال لهذا الضال: كل ذوق ووجد لا يطابق الاعتقاد فأحدهما أو كلاهما باطل وإنما الأذواق والمواجيد نتائجُ المعارف والاعتقادات، فإنَّ علمَ القلب وحاله متلازمان، فعلى قدر العلم والمعرفة يكون الوجدُ والمحبة والمحاك، ولو سلك هؤلاء طريق الأنبياء والمرسلين. عليهم السلام- الذين أمروا بعبادة الله وحده لا شريك له ووصفوه بما وصف به نفسه وبما وصفته به رسله واتبعوا طريق السابقين الأولين لسلكوا طريق الهدى ووجدوا برد اليقين وقرة العين، فإن الأمر كما قال بعض الناس: إن الرسل جاؤوا بإثبات مفصل ونفي مجمل والصابئة المعطلة جاؤوا بنفي مفصل وإثبات مجمل، فالقرآن مملوء من قوله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ﴾ [العنكبوت: ٦٢] و: ﴿عَلَى كُلِّ
560