ما رواه ابن القيم عن شيخ الإسلام
ما رواه ابن القيم عن شيخ الإسلام
Maison d'édition
دار القاسم
Année de publication
1427 AH
فطر الله - تعالى - عباده وعلى ذلك دلت العقول وكثيراً ما كنت أظنُّ أنَّ ظهورَ مثل هؤلاء أكبرُ أسباب ظهور التتار واندراس شريعة الإِسلام وأنَّ هؤلاء مقدمةُ الدجال الأعور الكذاب الذي يزعم أنه هو الله فإن هؤلاء عندهم كلّ شيء هو الله، ولكن بعض الأشياء أكبر من بعض وأعظم أما على رأي صاحب (الفصوص) فإنَّ بعض المظاهر والمستجليات يكون أعظم لعظم ذاته الثابتة في العدم، وأما على رأي الرومي، فإن بعض المتعيِّنات يكون أكبر فإن بعض جزئيات الكلي أكبر من بعض، وأما على رأي البقية فالكل أجزاءٌ منه وبعض الأجزاء أكبر من بعض، فالدجال عند هؤلاء مثل فرعون من كبار العارفين وأكبر من الرسل بعد نبينا محمد صلى الله عليه وسلم وإبراهيم وموسى وعيسى - عليهم السلام - فموسى قاتل فرعون الذي يدعي الربوبية ويسلط الله - تعالى - مسيح الهدى الذي قيل فيه إنه الله - تعالى - وهو بريء من ذلك على مسيح الضلالة الذي قال إنه الله، ولهذا كان بعض الناس يعجب من كون النبي صلى الله عليه وسلم قال «إنه أعور» و كونه قال: «واعلموا أن أحداً منکم لن یری ربه حتى يموت» وابن الخطيب أنكر أن يكون النبي صلى الله عليه وسلم قال هذا، لأن ظهور دلائل الحدوث والنقص على الدجال أبينُ من أن يستدل عليه بأنه أعور، فلما رأينا حقيقة قول هؤلاء الإلحادية وتدبرنا ما وقعت فيه النصارى الحلولية ظهر سرّ دلالة النبي صلى الله عليه وسلم لأمته بهذه العلامة فإنه بعث رحمة للعالمين، فإذا كان كثير من الخلق يُجوَّز ظهور الرب في البشر أو يقول إنه هو البشر كان الاستدلال على ذلك بالعور دليلاً على على انتفاء الإلهية عنه، وقد خاطبني قديماً شخص من خيار أصحابنا كان يميل إلى الإلحاد ثم تاب منه، وذكر هذا الحديث فبينت له وجهه، وجاء إلينا شخص كان يقول إنه خاتم الأولياء فزعم أنَّ الحلاج لما قال: أنا الحق كان الله - تعالى -هو المتكلم على لسانه كما يتكلم الجني على لسان المصروع، وأن الصحابة لما سمعوا كلام الله - تعالى - من النبي صلى الله عليه وسلم كان من هذا الباب فبينت له فساد هذا وأنه لو كان كذلك كان الصحابة بمنزلة موسى ابن عمران وكان من خاطبة هؤلاء أعظم من موسى لأن موسى سمع الكلام الإلهي من الشجرة وهؤلاء يسمعون من الحي الناطق، وهذا يقوله قوم الإلحادية لكن أكثرهم جهال لا يفرقون بين الإلحاد العام المطلق الذي يذهب إليه الفاجر التلمساني وذووه وبين الإلحاد المعين الذي يذهب إليه النصارى والغالية وقد كان سلف الأمة
559