ما رواه ابن القيم عن شيخ الإسلام
ما رواه ابن القيم عن شيخ الإسلام
Maison d'édition
دار القاسم
Année de publication
1427 AH
هؤلاء من حيث لم يفرقوا بين علم الله بالأشياء قبل كونها وأنها مثبتة عنده في أم الكتاب في اللوح المحفوظ وبين ثبوتها في الخارج عن علم الله - تعالى - فإن مذهب المسلمين أهل السنة والجماعة أن الله - سبحانه وتعالى - يعلم الأشياء بعلمه القديم الأزلي وأنه - سبحانه وتعالى - كتب في اللوح المحفوظ مقاديرَ الخلائق قبل أن يخلقها فيفرقون بين الوجود العلمي الكتابي وبين الوجود العيني الخارجي، ولهذا كان أول ما نزل على رسوله ﷺ سورة ﴿اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ (١) خَلَقَ الْإِنسَانَ مِنْ عَلَقٍ (٢) اقْرَأْ وَرَبُّكَ الأَكْرَمُ (٣) الَّذِي عَلَّمَ بِالْقَلَمِ (٤) عَلَّمَ الإِنسَانَ مَا لَمْ يَعْلَمْ﴾ [العلق: ١- ٥] فذكر المراتب الأربعة: وهي الوجود العيني الذي خلقه، وذكر الوجود الرسمي المطابق للفظي الدال على العلمي وبين أن الله - تعالى - علمه، ولهذا ذكر أن التعليم بالقلم فإنه مستلزم للمراتب الثلاثة وهذا القول أعني قول من يقول: إن المعدوم شيء ثابت في نفسه خارج عن علم الله - تعالى - وإن كان باطلاً ودلالته واضحة لكنه قد ابتدع في الإِسلام من نحو أربعمائة سنة وابن عربي وافق أصحابه وهو أحد أصلي مذهبه الذي في الفصوص.
والأصل الثاني: أن وجود المحدثات المخلوقات هو عينُ وجود الخالق ليس غيره ولا سواه، وهذا هو الذي ابتدعه وانفرد به عن جميع من تقدمه من المشايخ والعلماء، وهو قول بقية الاتحادية لكن ابن عربي أقربهم إلى الإِسلام وأحسن، أما في مواضع كثيرة فإنه يُفرق بين الظاهر والمظاهر فيُقر الأمر والنهي والشرائع على ما هي عليه ويأمر في السلوك بكثير مما أمر به المشايخ من الأخلاق والعبادات، ولهذا كثير من العباد يأخذون من كلامه وسلوكه فينتفعون وإن كانوا لا يفقهون حقائقه ومن فهمها منهم ووافقه فقد تبين قوله، وأما صاحبه الصدر الرومي فإنه كان متفلسفاً فهو أبعد عن الشريعة والإِسلام، ولهذا كان الفاجر التلمساني الملقب بالعفيف يقول: كان شيخي القديم متروحناً متفلسفاً، والآخر فيلسوفاً متروحناً يعني الصدر الرومي، فإنه كان قد أخذ عنه، ولم يدرك ابن عربي وهو في كتاب (مفتاح غيب الجمع والوجود) وغيره يقول: إن الله - تعالى - هو الوجود المطلق الساري في الكائنات، فإذا تعين لم يقل إنه هو، ويفرق بين المطلق والمعين كما يفرق بين الحيوان المطلق والحيوان المعين والجسم المطلق والجسم المعين، والمطلق لا يوجد في الخارج
556