556

ما رواه ابن القيم عن شيخ الإسلام

ما رواه ابن القيم عن شيخ الإسلام

Maison d'édition

دار القاسم

Année de publication

1427 AH

هي نفس وجود المخلوقات ولا أنه غني وما سواه فقير. لكن تفرقوا على ثلاثة طرق وأكثر من ينظر في كلامهم لا يفهم حقيقة أمرهم لأنه أمر مبهم: الأول: أن يقولوا إن الذوات بأسرها كانت ثابتة في العدم، وإن ذاتها أبدية أزلية حتى ذوات الحيوان والنبات والمعادن والحركات والسكنات، وإنَّ وجود الحق فاض على تلك الذوات فوجودها وجود الحق وذواتها ليست ذات الحق، ويفرقون بين الوجود والثبوت فما كنت به في ثبوتك ظهرت به في وجودك، ويقولون إن الله - سبحانه - لم يعط أحداً شيئاً ولا أغنى أحداً ولا أسعده ولا أشقاه، وإنما وجوده فاض على الذوات فلا تحمد إلا نفسك ولا تذم إلا نفسك، ويقولون: إن هذا هو سر القدر وأن الله - تعالى - إنما علم الأشياء من جهة رؤيته لها ثابتة في العدم خارجاً عن نفسه المقدسة، ويقولون: إن الله - تعالى - لا يقدر أن يغير ذرة من العالم، وأنهم قد يعلمون الأشياء من حيث علمها الله - سبحانه-، فيكون علمُهم وعلم الله - تعالى - من معدن واحد، وأنَّهم يكونون أفضل من خاتم الرسل من بعض الوجوه لأنهم يأخذون من المعدن الذي أخذ منه الملك الذي يوحى به إلى الرسل. ويقولون إنهم لم يعبدوا غير الله ولا يُتصور أن يعبدوا غير الله - تعالى - وأن عباد الأصنام ما عبدوا إلا الله - سبحانه - وأن قوله ﴿وَقَضَى رَبُّكَ أَلَّ تَعْبُدُوا إِلاَّ إِيَّهُ﴾ [الإسراء: ٢٣] بمعني حكم لا بمعنى أمر، فما عُبد غيرُ الله في كلِّ معبود، فإنَّ الله - تعالى - ما قضى بشيء إلا وقع، ويقولون: إن الدعوة إلى الله - تعالى - مكر بالمدعو، فإنه ما عدم من البداية فيُدعى إلى الغاية، وأن قوم نوح قالوا: ﴿وَقَالُوا لا تَذَرُنَّ آلِهَتَكُمْ وَلا تَذَرُنَّ وَدَّا وَلَا سُوَاعًا﴾ [نوح: ٢٣] لأنهم لو تركوهم لتركوا من الحق بقدر ما تركوا منهم لأن للحق في كل معبود وجها يعرفه من عرفه ويُنكره من أنكره، وأن التفريق والكثرة كالأعضاء في الصورة المحسوسة وكالقوى المعنوية في الصورة الروحانية، وأن العارف منهم يعرف من عبد وفي أي صورة ظهر حتى عبد فإن الجاهل يقول: هذا حجر وشجر والعارف يقول هذا مجلى إلهي ينبغي تعظيمه فلا تقتصر، وأن النصارى إنما كفروا لأنهم خصصوا، وأن عباد الأصنام ما أخطؤوا إلا من حيث اقتصارهم على عبادة بعض المظاهر، والعارف يعبد كلَّ شيء والله أيضاً يعبد كل شيء لأن الأشياء غذاؤه بالأسماء والأحكام، وهو غذاؤها بالوجود وهو فقير إليها وهي فقيرة إليه، وهو خليل كل شيء بهذا المعنى

554