Le Labab dans les sciences du livre
اللباب في علوم الكتاب
Enquêteur
الشيخ عادل أحمد عبد الموجود والشيخ علي محمد معوض
Maison d'édition
دار الكتب العلمية
Édition
الأولى
Année de publication
1419 هـ -1998م
Lieu d'édition
بيروت / لبنان
قال الشافعي - تعالى - : قراءة الفاتحة واجبة في الصلاة ، فإن ترك منها حرفا واحدا وهو يحسنها لم تصح صلاته ، وبه يقال الأكثرون . وقال أبو حنيفة - رضي الله تعالى عنه - : لا تجب قراءة الفاتحة . لنا وجوه : الأول : انه - عليه الصلاة والسلام - واظب طول عمره على قراءة الفاتحة في الصلاة ، فوجب علينا ذلك ، لقوله تعالى : { واتبعوه } [ الأعراف : 158 ] ، ولقوله : { فليحذر الذين يخالفون عن أمره } [ النور : 63 ] ، ولقوله تعالى : { فاتبعوني يحببكم الله } [ آل عمران : 31 ] . ويا للعجب من أبي حنيفة - رضي الله تعالى عنه - انه تمسك في وجوب مسح الناصية بخبر واحد ، في أنه - - مسح على الناصية ، فجعل ذلك القدر من المسح شرطا لصحة الصلاة ، وها هنا نقل أهل العلم نقلا متواترا أنه - - واظب على قراءة الفاتحة ، ثم قال : إن صحة الصلاة غير موقوفة عليها ، وهذا من العجائب . الثاني : قوله تعالى : { وأقيموا الصلاة } [ البقرة : 43 ] ، والصلاة لفظ محلى بالألف واللام ، فيكون المراد منها المعهود السابق ، وليس عند المسلمين معهود سابق من لفظ الصلاة إلى الأعمال التي كان رسول الله يأتي بها . وإذا كان كذلك كان قوله تعالى : { وأقيموا الصلاة } جاريا مجرى أمره بقراءة الفاتحة ، وظاهر الأمر الوجوب ، ثم إن هذه اللفظة تكررت في القرآن الكريم أكثر من مائة مرة ، فكان ذلك دليلا قاطعا على وجوب قراءة الفاتحة في الصلاة . الثالث : أن الخلفاء الراشدين - رضي الله تعالى عنهم - واظبوا على قراءتها طول عمرهم ، ويدل عليه ما روي في ) الصحيحين ( أن النبي - - وأبا بكر وعمر - رضي الله تعالى عنهما - كانوا يستفتحون القراءة ب { الحمد لله رب العالمين } ، وإذا ثبت هذا وجب علينا ذلك ، لقوله : ( عليكم بسنتي وسنة الخلفاء الراشدين من بعدي ) . ولقوله : ( اقتدوا باللذين من بعدي : أبي بكر وعمر ) هما . والعجب من أبي حنيفة - - أنه تمسك بطلاق الفار بأثر عثمان - ه - مع أن عبد الرحمن ، وعبد الله بن الزبير - هما - كانا يخالفانه - ونص القرآن أيضا يوجب عدم الإرث ، فلم يتمسك بعمل [ كل ] الصحابة - هم - على سبيل الإطباق ، والاتفاق على وجوب قراءة الفاتحة ، مع أن هذا القول على وفق القرآن ، والإخبار ، والمعقول ! الرابع : أن الأمة [ وإن ] اختلفت في أنه هل تجب قراءة الفاتحة أم لا ؟ لكنهم اتفقوا عليه في العمل فإنك لا ترى أحدا من المسلمين في العرف إلا ويقرأ الفاتحة في الصلاة ، وإذا ثبت هذا فنقول : إن من صلى ولم يقرأ الفاتحة كان تاركا سبيل المؤمنين ، فيدخل تحت قوله تعالى : { ويتبع غير سبيل المؤمنين } [ النساء : 115 ] فإن قالوا : إن الذين اعتقدوا انه لا يجب قراءتها قرءوها لا عن اعتقاد الوجوب ، بل على اعتقاد الندبية ، فلم يحصل الإجماع على وجوب قراءتها . فنقول : أعمال الجوارح غير أعمال القلوب ، ونحن قد بينا إطباق الكل على الإتيان بالقراءة ، فمن لم يأت بالقراءة كان تاركا طريقة المؤمنين في هذا العمل فدخل تحت الوعيد ، وهذا القدر يكفينا في الدليل ، ولا حاجة في تقرير هذا الدليل إلى ادعاء الإجماع في اعتقاد الوجوب . الخامس : قوله عز وجل : ( قسمت الصلاة بيني وبن عبدي نصفين ، فإذا قال العبد : { الحمد لله رب العالمين } يقول الله تعالى : حمدني عبدي . . . ) ، إلى آخر الحديث . وجه الاستدلال : أنه - تعالى - حكم على كل صلاة بكونها بينه وبين العبد نصفين ، ثم بين أن هذا التصنيف لم يحصل إلا بسبب هذه السورة ، ولازم اللازم لازم ، فوجب كون هذه السورة من لوازم الصلاة ، وهذا اللزوم لا يحصل إلا إذا قلنا : قراءة الفاتحة شرط في صحة الصلاة . السادس : قوله : ( لا صلاة إلا بفاتحة الكتاب ) . قالوا : حرف النفي دخل على الصلاة ، وليس صرفه إلى الصحة أولى من صرفه إلى الكمال . والجواب من وجوه : الأول : أنه جاء في بعض الروايات : ( لا صلاة لمن لم يقرأ بفاتحة الكتاب ) ، وعلى هذه الرواية فالنفي ما دخل على الصلاة ، وإنما دخل على حصولها للرجل ، وحصولها للرجل عبارة عن انتفاعه بها ، وخروجه عن عهدة التكليف بسببها ، وعلى هذا التقدير فإنه يمكن إجراء حرف النفي على مسمى الصلاة إنما يصح لو ثبت أن الفاتحة ليست جزءا من الصلاة ، وهذا [ هو ] أول المسألة ، فثبت أن قولنا : يمكن إجراء هذه اللفظة على أنه معنى تعذر العمل بالحقيقة ، وحصل للحقيقة مجازان أحدهما : أقرب إلى الحقيقة ، والثاني : أبعد ؛ فإنه يجب حمل اللفظ على المجاز الأقرب . إذا ثبت هذا فنقول : المشابهة بين المعدوم ، وبين الموجود الذي يكون صحيحا [ أتم من المشابهة بين المعدوم وبين لموجود الذي لا يكون صحيحا ] ، لكنه لا يكون كاملا ، فكان حمل هذا اللفظ على نفي الصحة أولى . الحجة السابعة : عن أ [ ي هريرة - رضي الله تعالى عنه - عن النبي أنه قال : ( كل صلاة لم يقرأ فيها بأم القرآن فهي خداج ، فهي خداج ) أي غير تمام ، قالوا : الخداج هو النقصان ، وذلك لا يدل على عدم الجواز . قلنا : بل هذا يدل على عدم الجواز ؛ لأن التكليف بالصلاة دائم ، والأصل في الثابت ، البقاء ، خالفنا هذا الأصل عند الإتيان بالصلاة على صفة الكمال ، فعند الإتيان بها على سبل النقصان يوجب ألا يخرج عن العهدة ، والذي يقوي هذا أن عند أبي حنيفة - ه - يصح الصوم يوم العيد إلا أنه قال : لو صام يوم العيد قضاء عن رمضان لم يصح ؛ لأن الواجب عليه هو الصوم الكامل ، والصوم في هذا اليوم ناقص ، فوجب ألا يفيد هذا للقضاء الخروج عن العهدة . وإذا ثبت هذا فنقول : فلم لم يقل بمثل هذا الكلام ها هنا ؟ الحجة الثامنة : نقل الشيخ أبو حامد في ( تعليقه ) عن ابن المنذر أنه روى بإسناده عن أبي هريرة - رضي الله تعالى عنه - أن النبي قال : ( لا تجزىء صلاة لا يقرأ فيها بفاتحة الكتاب ) . الحجة التاسعة : روى رفاعة بن مالك - ه - أن رجلا دخل المسجد فصلى ، فلما فرغ من صلاته ، ذكر في الخبر أن للرجل قال : علمني الصلاة يا رسول الله ، فقال : ( إذا توجهتم إلى القبلة فكبروا ، واقرءوا بفاتحة الكتاب ) ، وهذا أمر ، والأمر للوجوب . الحجة العاشرة : روي أن النبي قال : ( ألا أخبركم بسورة ليس في التوراة ولا في الإنجيل ولا في الزبور مثلها ) قالوا : نعم ، قال : ( فما تقرءونه في صلاتكم ) ؟ فقالوا : الحمد لله رب العالمين ، قال : ( هي هي ) . وجه الدليل : أنه - - لما قال : ( ما تقرءونه في صلاتكم ) قالوا : الحمد لله رب العالمين ، وهذا يدل على أنه كان مشهورا عند الصحابة - هم - أنه لا يصلي أحد إلا بهذه السورة ، فكان هذا إجماعا معلوما عندهم . الحجة الحادية عشرة : التمسك بقوله تعالى : { فاقرءوا ما تيسر من القرآن } [ المزمل : 20 ] فهذا أمر ، والأمر للوجوب ، فهذا يقتضي أن قراءة ما تيسر من القرآن واجبة . فنقول : المراد بما تيسر من القرآن ، إما أن يكون هو الفاتحة بعينها واجبة ، وهو المطلوب وإما يقتضي أن قراءة غير الفاتحة واجبة ، وذلك باطل بالإجماع ، أو يقتضي التخيير بين قراءة الفاتحة ، وبين قراءة غيرها وذلك باطل بالإجماع ، لأن الأمة مجمعة على أن قراءة الفاتحة أولى من قراءة غيرها . وسلم أبو حنيفة أن الصلاة بدون قراءة الفاتحة خداج ناقصة ، والتخيير بين النقائص والكامل لا يجوز . واعلم أنه إنما سمى قراءة الفاتحة لما تيسر من القرآن ؛ لأن هذه السورة محفوظة لجميع المكلفين من المسلمين ، فهي متيسرة للكل ، أما سائر السور فقد تكون محفوظة ، وقد لا تكون ، وحينئذ لا تكون متيسرة للكل . الحجة الثانية عشرة : الأصل بقاء التكليف ، فالقول بأن الصلاة بدون قراءة الفاتحة يقتضي الخروج عن العهدة ، إما أن يعرف بالنص أو بالقياس . أما الأول فباطل . [ لأن النص الذي تمسكوا به قوله تعالى : { فاقرءوا ما تيسر من القرآن } وقد بينا أنه دليلنا . صفحة فارغة صفحة فارغة وأما القياس ] فباطل ؛ لأن التعبدات غالبة على الصلاة ، وفي مثل هذه الصورة يجب ترك القياس . الحجة الثالثة عشرة : أن النبي - - واظب على الصلاة بها طول عمره ، فيكون قراءة غير الفاتحة ابتداعا وتركا للاتباع ، وذلك حرام لقوله : ( اتبعوا ولا تبتدعوا ) ، و ( أحسن الهدي هدي محمد ، وشر الأمور مثحدثاتها ) . واحتج أبو حنيفة - رضي الله تعالى عنه - بالقرآن والخبر . أما القرآن الكريم فقوله تبارك وتعالى : { فاقرءوا ما تيسر من القرآن } . وأما الخبر فما روى أبو عثمان النهدي عن أبي هريرة - رضي الله تعالى عنهما - قال ( أمرني رسول الله أن أخرج وأنادي : لا صلاة إلا بقراءة ، ولو بفاتحة الكتاب ) . والجواب عن الأول : أنا بينا أن هذه الآية من أقوى الدلائل على قولنا . وعن الثاني : أنه معارض بما نقل عن أبي هريرة ، وأيضا لا يجوز أن يقال : المراد من قوله : ( لا صلاة إلا بقراءة ، ولو بفاتحة الكتاب ) وهو أنه لو اقتصر على الفاتحة لكفى .
فصل في بيان هل التسمية آية من الفاتحة أم لا ؟
Page 243